عاجل
أخر الأخبار
بعد تراجعه أمام بايدن .. هل يغدو العراق مفتاح قلب الموازين لصالح ترامب؟
السبت 03 أكتوبر 2020
بعد تراجعه أمام بايدن .. هل يغدو العراق مفتاح قلب الموازين لصالح ترامب؟

شعاع/ خاص

 

بقلم : براء سمير إبراهيم

تراجع مستمرٌ في شعبية الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب تظهره استطلاعات الرأي تجريها مراكز بحوث أمريكية بشكل دوري، ويبدو أن ترامب الذي لم يتعهد بنقل سلمي للسلطة حال خسارته السباق الرئاسي مع منافسه الديمقراطي جو بايدن، لن يقبل بالهزيمة على الإطلاق بل يسعى جاهداً لإحداث أمرٍ ما من شأنه ان يقلب كفة الفوز لصالحه…فما الذي من الممكن أن يفعله؟

لا شك أن ترامب سيقدم على فعل أي شيء يكون بمثابة توجيه ضربة قاسية لبايدن تسفر عن تراجع جماهيرته المتصاعدة، وهنا لا نستبعد أن يكون العراق هو هدف ترامب الأكثر “دسامة” في هذه الأيام الصعبة والقليلة التي تفصله عن ضمان جلوسه على كرسي البيت الأبيض أربع سنوات أخرى.

والسؤال الآن… كيف يمكن لترامب جعل الملف العراقي ورقة انتخابية رابحة في يده ضد بايدن؟

الجميع ربما يعلم أن الأمريكيين دائماً ما يحاولون إظهار فصائل المقاومة العراقية المندرجة تحت هيئة الحشد الشعبي التي تشكلت تلبيةً لنداء المرجعية الدينية بهدف محاربة داعش، على أنها تابعة لإيران من ناحية التمويل والدعم والتوجيه والعمل على تعزيز المصالح الإيرانية في العراق وحمايتها أي أنها بمثابة “وكيل لطهران”، محاولةً في ذلك تشويه سمعة محور المقاومة الذي يربط العراق بإيران واستغلال التنسيق الأمني ما بين الجانبين الإيراني والعراقي لمحاربة التنظيمات الإرهابية بما يتماشى مع المصالح الأمريكية، كما أنه لا يخفى على أحد أن المرشح الديمقراطي جو بايدن تعهد خلال حملته الانتخابية بأن يعيد بلاده إلى المشاركة في الاتفاق النووي المبرم مع إيران في العام 2015 حال فوزه في الانتخابات بعد أن انسحب ترامب منه بالعام 2018 .

وبناءً على كل ذلك فإن ترامب سيعمل الآن على تعزيز نظرية أن إيران دولة إرهابية وأن الحشد الشعبي العراقي وحزب الله اللبناني والقوات اليمنية الحوثية هي “فصائل إرهابية” تابعة لها بحسب الأكذوبة الأمريكية وأنه لا بد من محاربتها واخضاعها للإرادة الأمريكية ونزع سلاحها ومن ثم التفاوض معها، إلى جانب التركيز على أن الاستمرار في الاتفاق النووي مع إيران وعدم إلغائه سيساهم في زيادة النشاط الإرهابي لوكلائها في المنطقة وفقاً للمزاعم الأمريكية، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى كسب تأييد الناخبين الأمريكيين لنهج ترامب في التعامل مع إيران وتحريضهم ضد سياسة بايدن التي ينوي اتباعها حيال طهران وأهم نقطة فيها العودة إلى الاتفاق النووي معها، وعلى ما يبدو أن ترامب اختار العراق على وجه التحديد دون دول محور المقاومة الأخرى ليكون المكان الذي يثبت فيه للأمريكيين زوراً أنه على صواب وأن بايدن مخطئ فيما يتعلق بطريقة التعامل مع إيران.

وهنا نسأل…ما هو السيناريو الذي رسمه ترامب للعراق ليكون مخرجاً له من مأزق تراجع شعبيته الجماهيرية مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية؟

هذا السيناريو أطلق عليه الكاتب الأمريكي ديفيد إغناتيوس في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست قبل أيام، اسم “مفاجأة أكتوبر“، حيث توقع إغناتوس أن تقدم واشنطن في شهر أكتوبر على تحويل العراق إلى ساحة حرب مع إيران والقيام بإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد وتوجيه ضربات قوية ضد مواقع الحشد الشعبي العراقي في حال فشل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بوضع حد لهجمات الحشد ضد الجانب الأمريكي في العراق، خاصة إذا ما أسفرت عن وقوع إصابات أو سقوط قتلى في صفوف الأمريكيين بحسب ماجاء في مقال الكاتب.

وقبل ذلك حذر النائب عن تحالف الفتح محمد البلداوي من وجود مخطط وضعته الولايات المتحدة ويرمي إلى “حل الحشد الشعبي وتحجيم دوره والضغط عليه بإرادة داخلية وليس بشكل مباشر من قبلها، حيث هناك انقلاباً ناعماً يجري في العراق”.

ورغم حديث إغناتيوس عن احتمالية دخول القوات الأمريكية في صراع عسكري مع قوات الحشد واعتقاد البلداوي أن الأمريكيين يسعون إلى حل الهيئة بجهود وضغوط داخلية عراقية، إلا أنه في كلتي الحالتين نجد أن هناك استهداف أمريكي للحشد الشعبي وإنْ اختلفت الطرق.

أما عن كيفية تنفيذ سيناريو حل الحشد الشعبي فهي كالتالي:

الخطوة الأولى :
(اتهام الحشد الشعبي باستهداف المصالح الأمريكية) :

العراق شهد في الفترة الأخيرة تصاعداً في الهجمات التي طالت السفارة الأمريكية في بغداد و أرتال القوات الأمريكية وقواعدها العسكرية في مختلف أنحاء البلاد ورغم اتهام واشنطن وبعض القيادات السياسية العراقية الحشد الشعبي بالوقوف وراء تلك الهجمات إلا أن الحشد أكد مراراً وتكراراً عدم مسؤوليته عن أي من هذه الاعتداءات، وما يؤكد تلك الحقيقة هو تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” قالت فيه نقلاً عن مسؤولين أمريكيين إن “المرشد الإيراني الأعلى السيد علي خامنئي وجه بتجنب التصعيد مع الولايات المتحدة في هذه الفترة وعدم الإقدام على أي عمليات انتقامية ضدها” على حد زعم الصحيفة، في وقت قال فيه المحلل السياسي العراقي محمد جاسم الساعدي في حديث مع موقع المعلومة إن “أزلام واشنطن من داعش ومخابراتها قد تعمل على إجراء بعض العمليات الاجرامية ضد البعثات الدبلوماسية من أجل اتهام الحشد الشعبي بتنفيذها، بهدف تأجيج الطبقة السياسية ضد الحشد وتحقيق الهدف الأول لواشنطن وهو حل الحشد الشعبي”.

والسؤال هنا هو…لماذا نعتقد فعلياً أن من يقف وراء الهجمات ضد الأمريكيين هم الأمريكيون أنفسهم؟

الجواب على هذا السؤال نستعرضه في النقاط الآتية:

1- إذا ما نظرنا إلى أسلوب ونتائج معظم الهجمات فإننا نجد إنها لم تتسبب بشكل واقعي بأي خسائر بشرية أو مادية كبيرة في صفوف الأمريكيين فأغلبية الصواريخ التي يتم استهداف المصالح الأمريكية بواسطتها لم تنفجر وإذا انفجرت لم تصب الهدف مباشرة بل تنفجر بالقرب منه أو في محيطه ولعل أقرب دليل على ذلك هو الهجوم الأخير على مطار أربيل، فالصواريخ الستة التي كانت ظاهريا تريد استهداف القوات الأمريكية، قسمٌ مِنها لم ينفجر والقسم الآخر انفجر في أراض زراعية فارغة تخلو من أي جنود أو معدات أمريكية.

2- إذا كانت قوات الحشد الشعبي هي المسؤولة بالفعل عن الهجمات التي تطال الجانب الأمريكي في العراق، فلماذا القوات الأمريكية عاجزة عن تقديم دليل واحد ضدها؟ علماً أن أمريكا هي الدولة التي يستعين بها العراق في مجال المعلومات الاستخباراتية في محاربته للتنظيمات الإرهابية وهي الدولة التي تقوم باستطلاع جوي عميق في العراق بشكل دوري وتمتلك أحدث الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة الموجهة لجمع المعلومات الأمنية.

الخطوة الثانية :

(تعزيز قاعدة الرفض الداخلي للحشد الشعبي وطرح مسألة حله أو تحجيمه او تنفيذ ضربات ضده):

التهديدات الأمريكية بإغلاق السفارة في بغداد وفرض عقوبات قاسية على الاقتصاد العراقي وضرب مواقع الحشد الشعبي، إلى جانب الاتهامات المتكررة للحشد بأنه المسؤول عن الاعتداءات التي طالت السفارة الأمريكية، جعلت بعض القوى السياسية العراقية تنتقد الحشد الشعبي وتتعامل معه على أنه يدفع بالعراق نحو الهاوية وأنه يخاطر بمستقبل العراق وأمنه واستقراره، وهذا السيناريو الذي قصده النائب محمد البلداوي بقوله إن هناك توجه أمريكي لحل هيئة الحشد بضغط من قوى داخلية، الأمر نفسه لفت إليه مايكل نايتس وهو زميل أقدم في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، عندما قال إن على واشنطن أن تحشد دعم الكتل السياسية العراقية الشيعية والسنية والكردية لجهود الكاظمي الرامية إلى نزع سلاح الحشد الشعبي وإغلاق مقراته ومكاتبه القابعة في العاصمة العراقية بغداد.

والسؤال الآن… إذا كانت بعض القوى السياسية موافقة للاتهامات الأمريكية الموجهة ضد الحشد فكيف يمكن لهذه الكتل أن تساهم في تحجيم دور الحشد الشعبي؟

اهتمام الأمريكيين بإقناع الأحزاب السياسية العراقية بأن هيئة الحشد الشعبي باتت تشكل خطراً على العراق، لا يمكن أن نفهمه إلا على أنه محاولة أمريكية لتمرير مشروع قرار في البرلمان العراقي يحد من صلاحيات هيئة الحشد الشعبي أو يأمر بحلها على اعتبار أن هذه الكتل السياسية هي التي تكوّن مجلس النواب المسؤول عن إصدار القوانين التشريعية في العراق، أما عن الطريقة التي تريد بها الولايات المتحدة تحجيم دور الحشد الشعبي فنستنتجها من رؤية محلل شؤون الشرق الأوسط في (IITV) “حمدي مالك” لمستقبل الحشد الشعبي التي طرحها خلال منتدى سياسي افتراضي عقده معهد واشنطن في العشرين من شهر أيار الماضي، حيث يرى مالك أن “ألوية العتبات” التي تضم أربعة وحدات هي : “لواء أنصار المرجعية” و “لواء علي الأكبر” و “فرقة العباس” و “فرقة الإمام علي” والتي كانت تابعة لهيئة الحشد ثم انفصلت عنها، هي الأنموذج الصحيح الذي يجب أن تقتدي به الفصائل الأخرى في الحشد”، واعتبر مالك أن أبرز ما يميز هذا الجناح من الحشد الشعبي أنه لا يعتبر الولايات المتحدة عدوة له وأنه غير منخرط في الحياة السياسية ولا وجود له في مناطق السنة بل أن وجوده يقتصر على المحافظات الشيعية كربلاء والنجف والصحراء التي تربطها بالأنبار.

وتلك الخصائص التي تتمتع بها “ألوية العتبات” هي الشروط التي تريد الولايات المتحدة فرضها بالغالب على الحشد الشعبي كي لا يتم حله بالكامل.  وإنْ فشلت الولايات المتحدة في تمرير قرار سياسي رسمي يستهدف الحشد فإن الأفكار الخاطئة التي زرعتها عن الحشد في أذهان العراقيين على المستوى الشعبي أو السياسي من شأنها أن تضعف من احتمالات ظهور ردود فعل قوية وحازمة حال إقدام القوات الأمريكية على ضرب مواقع الحشد أو اغتيال أحد قادته كتلك التي ظهرت عندما اغتالت القوات الأمريكية نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في الثالث من شهر كانون الثاني الماضي.

الخطوة الثالثة:
( مهاجمة بايدن من بوابة الاتفاق النووي الإيراني): 

اللافت في الهجمات الأخيرة المنسوبة زوراً إلى الحشد الشعبي هو توقيتها و التوقيت الذي نتحدث عنه لا نعني به اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية وإنما قرب تاريخ انتهاء صلاحية حظر الأسلحة المفروض على إيران والذي تسعى الولايات المتحدة إلى تمديده ويعارضها في ذلك شركاؤها الأوروبيون الذين لازالوا متمسكين بالاتفاق النووي مع إيران والذي بموجبه سيُسمح لطهران بإعادة تصدير واستيراد الأسلحة اعتباراً من اليوم الثامن عشر من شهر تشرين الأول الحالي، واللافت أيضاً أن الهجمات الأخيرة في العراق لم تطال فقط السفارة الأمريكية بل شملت أيضاً سيارات دبلوماسية بريطانية تابعة لسفارة المملكة المتحدة في بغداد، إذ أعلنت السفارة البريطانية منتصف الشهر الماضي عن تعرض أحد السيارات الدبلوماسية العائدة لها لهجوم بعبوة ناسفة بدائية الصنع، جاء ذلك بعد أن حذرت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت في شهر آب الماضي من أن “أفعال إيران تغذي الصراع والفوضى والمعاناة الإنسانية على نطاق واسع .. من خلال دعم الجماعات التي تعمل بالوكالة والمنظمات الإرهابية في دول مثل سورية و اليمن و لبنان و العراق” و إذا ما أخذنا هذا التحذير الأمريكي بنظر الاعتبار بالإضافة إلى كون الهجمات الأخيرة في العراق تتم من خلال صواريخ متطورة لا تقتصر على الكاتيوشا وحدها، فإنه يمكننا القول إن الولايات المتحدة تحاول من خلال زيادة حدة التوتر والعنف في العراق بالفترة الأخيرة إلى حث الدول الأوروبية على تفعيل آلية سناب باك ضد إيران وبالتالي إلغاء الاتفاق النووي إذ هددت إيران بالانسحاب منه حال تفعيل الشركاء الأوروبيين لتلك الخاصية، مرتكزةً في ذلك على إدعاءها بأنه إذا كانت إيران تزود الفصائل التابعة لها بأنواع متطورة من السلاح لشن هجمات ضد المصالح الأمريكية والأوروبية في المنطقة حتى قبل انتهاء حظر السلاح المفروض عليها فكيف سيغدو الأمر إذا ما استطاعت إيران استيراد أسلحة أكثر تقدماً من روسيا و الصين؟! ، ويبدو أن واشنطن نجحت في أن تقرّب لندن من وجهة نظرها هذه بدليل الاجتماع الأخير الذي استضافته السفارة البريطانية في بغداد لعدد من سفراء دول غربية بغية التهديدات التي تطال البعثات الدبلوماسية الدولية في العراق وكيفية التعامل معها، وإذا ما استطاع ترامب دفع أصدقائه الأوروبيين إلى إعادة تفعيل كافة العقوبات الأممية على إيران وإنهاء الاتفاق النووي معها، فإنه يكون بذلك وجه ضربة قاسية لمنافسه بايدن الذي وعد بدوره بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران إنْ أصبح رئيساً للولايات المتحدة في العام 2020، علاوةً على ذلك فإن تكرار الهجمات ضد المصالح الأمريكية في العراق وتهديدها من قبل “جماعات تابعة لإيران” بحسب الادعاءات الأمريكية الكاذبة، قد يكون بحد ذاته نقطة ضعف في برنامج بايدن الانتخابي الذي يبدو أقل تشدداً حيال إيران وربما سيؤدي إلى تراجع شعبيته داخل الأوساط الديمقراطية نفسها التي دائمآ ما تدافع عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وتعمل على تعزيزها وحمايتها وترسيخها.

وجل ما يمكننا قوله في الختام هو … إذا كان ترامب شخص لا يمكن التنبؤ بأفعاله ولا تصرفاته فإننا يمكننا القول إننا دخلنا في شهر حاسم لايمكننا التنبؤ بمفاجآته ومخرجاته .. فهل سيكون شهر أكتوبر المنقذ لترامب كما كان منقذاً لريغان من قبله؟

 

المادة محمية وفق قانون النشر 2020@ وأي نسخ أو لصق دون ذكر المصدر سيعرضك للملاحقة القانونية


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.