عاجل
أخر الأخبار
يوميات حصار ٣ : حليب !
السبت 25 مارس 2017

وكالة شعاع نيوز / خاص

بقلم ابنة الحصار : زينب الحسن

 

منذ ثلاثة أيام والقصف الهمجي لم يتوقف على بيوت المدنيين في الفوعة وكفريا ، منذ ثلاثة أيام لم يخرج أحد من الملاجئ الا للأمر الجلل .. نبات ليلنا ونقضي نهارنا في قبو معتم مع الجرذان والحشرات من كل الأنواع …
يزيد من معاناتنا درجات الحرارة المرتفعة جداً، ولكنه أمر طبيعي طالما نحن في شهر آب ….
استيقظت صبيحة اليوم الرابع وأنا متعبة جداً، وأشعر بدوار ووجع لا يهدأ …فطفلي الصغير الذي لم يكمل سنته الأولى مريض أيضاً ودرجة حرارته لم تنخفض طوال الليل …
أصوات القصف والمدفعية لم تهدأ أيضاً، يحاول الإرهابيون التسلل إلى الفوعة التي يحاصرونها ويمطرونها بكافة أنواع القذائف والصواريخ شديدة الانفحار …
أيقظت جارتي …
– سلمى أريد منك أمراً
– تفضلي
– سأذهب الى الحارة الغريبة لأحضر الحليب لابني مجد
– أرجوكي انتبهي له حيثما أعود فهو مريض جداً
– سلمى : الى الحارة الغربية ؟؟؟؟؟؟ … بعيدة جدا !!!!!
– كيف ستذهبين والقنابل والصواريخ تنهال على القرية بكل اتجاه ؟؟؟؟
– لا أعلم … ولكن مجد مريض جداً وهو بحاجة للغذاء … سأذهب وأتوكل على الله
– سلمى: أستغفر الله العظيم … اذهبي بأمان الله
أصوات القنابل والقصف يشتد أكثر وأكثر .. الطلقات المتفجرة تنهال من كل حدب وصوب .. وقفت على باب القبو والخوف يتملك قلبي
ولكنني مضطرة للذهاب لشراء الحليب …
نظرت نظرة أخيرة إلى أولادي الثلاثة والدموع تملأ عيناي ..
قلت لسلمى: بأمانتك اولادي
خرجت مسرعة وبدأت بالركض بين الشوارع الضيقة وإذ بصاروخ كبير يقترب مني.. رميت نفسي تحت درح أحد البيوت وصحت بأعلى صوتي :
يااااااااااااااااااااا رب
ياااااااااااااااااااا الله
وحدث انفجار كبير
لم أصدق أنني حيّة أرزق …
وقفت والغبار يغطيني … وعاودت الركض والرصاص المتفجر يحيط بي من كل اتجاه …
أركض وأركض وأشعر أن الطريق طويل جدا .. وإذ بقذيفة أخرى تسقط بجانبي .. قذيفة أخرى وأنا أحتمي بأي شيء أراه في طريقي
وبعد جهد جهيد
وصلت لبيت بائع الحليب ..
كان في عجلة من أمره …يريد أن يبيع الحليب ويعود إلى الملجأ …
اشتريت كيلو ونصف من الحليب ووضعتهم في طنجرة صغيرة و أمسكت بها بكل قوة وعدت راكضة الى الملجأ … وبسبب سرعتي وخوفي وأصوات الانفجارات القريبة المتلاحقة
وصغر الوعأء فقدت جزءا كبيرا من الحليب …
كل ذلك وأنا بحالة يرثى لها …أنا متعبة ….متعبة جدا …
فالطعام لم يدخل معدتي سوى القليل القليل منه …
كان فكري مشغولاً بطفلي مجد …
وكيف سأعالجه وكيف سأذهب به إلى المشفى الميداني تحت هذا الكم الهائل من القصف …
لم أشعر بشيء بعدها. ..سوى وهج أحمر كبيررررررر
ونار تحيط بي من كل الجوانب وكأنها جهنم لا محالة …
صاروخ سقط لتوه في أحد المنازل القريبة مني وأحدث انفجاراً ضخماً راكم البيت فوق من فيه وخلف حريقاً كبيراً …
استجمعت قواي المنهارة
ووقفت أبحث عن غطاء رأسي الذي فقدته جراء الضغط الكبير للانفجار …
أما المصيبة التي لم يحتملها عقلي، فهي فقداني للحليب …
لم أجد الوعاء أصلا …
صرخت … وبكيت …
وبكيت
قطع نحيبي صوت قذيفة قادمة …
فبدأت بالركض باتجاه الملجأ … ودموعي تسبقني …
وصلت القبو منهارة تماما …
ضممت ولدي إلى صدري ألتمس حرارة جسده الصغير …
يا الهي حرارته ستتجاوز ٤٠
وضعت له كمادات …
وتركته مرة أخرى …
وعدت تحت القذائف والصواريخ إلى بيتي باحثة عن شراب خافض للحرارة … كان البيت بحالة مأساوية ..
بدون نوافذ …بدون أبواب …جراء الانفحارات القريبة منه … لم أهتم ولم أحزن …. ولم يدهشني المنظر العام لبيتي القروي الجميل سابقاً…
كنت مسلوبة التفكير جراء الرعب والخووف … بحثت دون جدوى عن علبة الدواء
فأخذت بعض الحاجيات وعدت للقبو
وصلت بآخر أنفاسي …
وكان صوت البكاء والنحيب يعلو ويعلو من داخل القبو
ماذا حدث ؟؟؟
– زوج سلمى جارتي
وابن انتصار صديقتي و ١٠ شباب آخرين استشهدوا صباح اليوم جراء القصف الهمجي الممنهج…
وعاد رفاقهم حاملين على أكتافهم بقايا أجسادهم الطاهرة …
كل ساعة يأتينا خبر حزين
كانت دقائقنا مرهونة وسجينة …
انتظار … وخوف …. ورعب وترقب …
من هو الشهيد التالي يا ترى ؟
كان مجد يغط في نوم متقطع جراء درجة حرارة جسده المرتفعة
ماذا سأفعل الآن ؟؟
وكيف سأۏمن وجبة حليب ؟؟؟
أفكاري مشتتة ضائعة …
انقضى نصف النهار وطفلي بدون وجبة الحليب المخصصة له …
كلمت نفسي بلهجة تحدي : سأذهب عصر اليوم مرة أخرى لبائع الحليب في الحارة الغربية
لم يهدأ القصف دقيقة واحدة
لم تتوقف أصوات الانفجارات …
لم تخف وتيرة الاشتباكات …
كانت القرية في حالة حرب حقيقة وكان لساننا يلهج بالدعاء لحماية المجاهدين …
مرة أخرى خرجت من القبو تحت وابل الرصاص والقذائف …
وذهبت مسرعة لاحضار الحليب …
وتكرر سيناريو الصباح. ..
القصف من كل اتجاه. ..
والقذائف تنفجر يميناً ويساراً…
ووصلت بفضل من الله إلى الملجأ سالمة مع وعاء الحليب …
كان المغرب قد حل …ولم تذق معدتي لقمة طعام واحدة
بدأت أبحث عن حطب لأشعل نارا وأقوم بغلي الحليب وتعقيمه رغم كل القصف ….
وهنا أخبرتني جارتي أم محمد أنها أرضعت مجد قليلاُّ أثناء غيابي وأعطته شراباً خافضاّ للحرارة…
عانقتها وقبلت رأسها شاكرة فضلها ومعروفها معي …
مضى النهار ووتيرة القصف العنيف لم تهدأ أبدا ….
بعد كل ذاك العناء والتعب لم أعد اأشعر بجسدي …
ولم أعد أرى شيء …
ولم أعد أرى شيء …
كانت أم محمد أمامي مجرد خيال …
خيال لامرأة تضع على رأسي كمادات باردة …
ولم أعد أعلم من أنا ؟؟؟
وأين أنا ….!!!
غططت في نوم عميق نتيجة ابر المهدأ ….
صحوت بجسد منهك …متثاقل …
متعب ….
صحوت على بكاء طفلي الصغير مجد …
وهنا كانت الصاعقة ….
الحليب فقد صلاحيته بسبب درجات الحرارة المرتفعة جدا …
كانت الدموع وسيلتي للخروج من أي موقف ….
وماذا أفعل بهكذا موقف ؟؟؟
بعد يوم كامل من المعاناة تحت القصف والرصاص لتأمين وجبة حليب واحدة لطفلي …. تذهب هباءا منثوراً….
ارتفع صوت بكائي. ..
وشعرت أنني دخلت مرحلة جديدة من الانهيارات النفسية ….
استيقظ الجميع في الملجأ على أصوات بكائي …
ركضت إحدى الحاضرات نحوي … ودفعت إلي علبة حليب بودرة مجفف قائلة :
خذي رضعة لطفلك …..
يا الهي !!!!!!!!
كيف لم يخطر ببالي أن أتوجه لمركز الحليب المجفف وأستنجد بهم ….. وأحصل على علبة لطفلي ….
فنحن في حالة حرب …
ويتوجب عليهم مساعدتي ….
أرضعت طفلي وجبته ….
وخرجت صباح اليوم الخامس من القبو راكضة باتجاه مركز توزيع الحليب ….
كانت القذائف تنهال وتتطاير أجزاۋها بالهواء مدمرة الحجر والشجر قبل البشر …
لم يسلم لا بيت … ولا شارع …. ولا حارة من قذائف حقدهم. ..ورصاص غدرهم …
وصلت المركز والعرق يتصبب من جميع أجزاء جسدي …
فدرجة حرارة الجو تقارب ٤٨ ….
قابلتني الموظفة بفتور :
للأسف دورك في أخذ علبة الحليب بعيد جدا ….
دورك في ١٥ الشهر ولا أستطيع تجاوز الدور ….
ترجيتها باكية …. وشرحت لها عن وضعي ومرضي وحال طفلي المريض …
– أرجوكي … أتوسل اليكي …
علبة واحدة فقط …
أنا في وضع صعب جدا …
– راجعي الادارة ….
– ركضت إلى غرفة المدير متوسلة …
رفض رفضاً قاطعا…
شرحت له أحوالي باكية …
سردت له معاناتي بتأمين حليب طفلي ….
ولكنه رفض ؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
صرخت في بهو المركز
بكيت ….توسلت ….
ولكنهم رفضوا !!!!!!!!!!
عدت إلى القبو فارغة اليدين ….
لم أستطع رغم كل الذل أن أﯛمن علبة حليب مجفف لطفلي …
عدت وروحي مشبعة بقهر وحقد وألم وتعب لا تتحمله جبال البسيطة كلها
مضى اليوم الخامس ونحن في الملاجئ …
نعاني ونعاني …. ونعاني ….
الكبار والصغار جياع …
الغالبية العظمى من الأهالي تعاني المرض جراء استنشاق الغازات السامة التي تحملها قذائف الإرهابيين …
الجو حار جدا جدا والعرق يتصبب من الأجساد الخاوية التي لا تجد شربة ماء ….
يمضي النهار الخامس ونحن نقصف بمختلف أنواع الأسلحة والقذائف الصاروخية الشديدة الانفجار ….
ونستقبل كل ساعة شهيداً…
وتستمر الحكاية …..
إلى الآن هذه القصة جزء بسيط جداً مما يحصل لأهل الفوعة وكفريا …..

 

 

 

 

 

 

 

 

 


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

  • بحث

  • آخر الأخبار