عاجل
أخر الأخبار
يوميات حصار .. إمرأة في غابة الذئاب
السبت 01 أبريل 2017

وكالة شعاع نيوز/ خاص

بقلم ابنة الحصار : زينب الحسن  

تدور منذ الصباح في رأسي أسئلة لا تنتهي …ولا أجد لها جواباً أو تفسيراً ..!! مشتتة الذهن أبحث عن نفسي .. مكفهرة الوجه ألملم أجزاء روحي … تخرجت من جامعتي بأفضل نتيجة، لكني لم أوفق في الحصول على وظيفة حكومية .. تزوجت وأنجبت وأبى القدر إلا أن يقطع حبل سعادتي ويقدم لي حبيبي شهيداً… انقلبت حياتي من طفلة الحب والعشق … إلى إمرأة تۏلمها نظرات الإشفاق الممزوجة بالحزن …إمرأة محاصرة تصارع الزمن والبشر لتحيا هي وأبناؤها حياة كريمة … ولكن !!!! الأحلام لا تشبه الواقع أبداً… كل حادثة مرت بخاطرها تلك اللحظات كانت عبارة عن هزيمة مرّة، احترقت فيها دون أن تبدو آثار الحروق على جسدها … سلسلة من الانهزامات النفسية جعلت جدران نفسيتها تنهار وتتحطم … ويل لها من فقرها وعجزها؟! … ويل لها من عيون كثيرة طامعة بشبابها وجمالها … ويل لها من حصار ظالم لم يترك أي خيار لها !!! وماذا بعد …؟ حصار أهلك أرواحنا وقطّع أوصالنا وأبعدنا عن أحب الناس الى قلوبنا، هل سأنسى يوماً صوت بكاء جارتي العجوز كأغنية فيروزية صباحية؟! تبكي شوقاً لأولادها خارج الحصار …؟ هل سأنسى تمتمات طفل يسقي قبر والده ويردد آيات من القرآن الحكيم …؟ … هل سأنسى وجه زوجي ممدداً فوق نعشه ؟ هل سأنسى بكاء أطفالي ليلاً بسبب جوعهم ؟؟ لا أدري … تساۏلات كثيرة وربما هي بوادر الجنون ربما !!! لا أجد سبباً لذاك الاختناق الصباحي وتلك الأفكار المجنونة سوى أنني امرأة محاصرة قضت وتقضي سنتين من حياتها تصارع الموت والخوف والجوع والقصف والدمار والاستغلال … سنتين من الحصار سترحل مخلفة في نفسها آثار وجروح عميقة لن ولم تبرأ على مدى عصور قادمة

– أمي : أين الفطور ؟؟ – أمي : أريد خبزاً … أغمضت عيني لحظة عن نداءات أولادي المتكررة … يا ليت لي جناحان أطير بهما الى جزيرة نائية بعيدة عن كل البشر ..لا أسمع فيها صوتاً … ولا أرى فيها وجهاً … تعبت .. تعبت .. لم أعد قادرة على الصمود أكثر .. ألا يقولون أن لكل إنسان طاقة وقدرة محدودة؟!  لقد استنفذ الحصار طاقاتي وقدراتي… متعبة أنا جداً …من كل شيء متعبة من الحظ …من النصيب …من القدر …من الحياة .. لماذا رحل سريعاً تاركاً خلفه ٣ أطفال صغار ؟؟ لماذا اخترقت رصاصات الحقد صدره الدافئ…؟؟ لماذا تركني وحيدة …؟؟

أسئلة لا تنتهي … مثقلة أنا بالهموم، مثقلة بالجراح، متعبة ….متعبة أنا جداً … – أمي – أمي – أمي تتكرر أصوات صغاري معلنة دخول معداتهم مرحلتها الأخيرة من الصبر … الطعام …!!!!! يا رب السماوات … ماذا سأفعل ؟؟ بيتي خالي من أي نوع من الطعام … لم يعد لدينا أي شيء، فالمساعدات الغذائية لم تدخل منذ ستة أشهر لقريتي الفوعة وكفريا .. أحاول متعمدة تجاهل نداءاتهم … أمي أمي أمي إنني جائع إنني جائع.. استجمعت قواي المنهارة ووقفت بباب المطبخ باحثة عن شيء يۏكل، هنا وهناك دون جدوى … فتحت محفظتي الممزقة المهترئة كصاحبتها .. فلم أجد فيها سوى ورقة نقود واحدة من فئة الألف ليرة حاولت كتم صرختي، ماذا ستفعل تلك الورقة النقدية بسوق أصبحت أسعاره كأسعار الذهب ..؟؟ وضعت غطاء رأسي وذهبت إلى سوق القرية باحثة عن فتاتات تسد رمق صغاري .. وقفت في وسط السوق وأنا أشعر بالدوار …أشعر بالاختناق البيضة الواحدة بألفي ليرة والكيلو من اللبن ب ٣٠٠٠ وكيلو الرز ب ٧٠٠٠ وكيلو البرغل ب ٩٠٠٠ وليتر الزيت ب ٢٥ ألف ليرة، شعرت بأفاع سامة الأنياب تلتف حول رقبتي، تخنقني …تمزقني …تحرقني … أأصرخ ؟؟ أأبكي ؟؟ أأتحسر على غربتي فوق أرضي ؟؟ أأتحسر على جوعي في وطني ؟؟ كانت أشكال التجار المستغلين الانتهازيين تشعرني بالقرف والاشمئزاز… فنحن لم نتضرر من الارهاب الحاقد كما تضررنا من التجار المستغلين الذين تعالوا وزادت ثرواتهم على حساب جوعنا ودمائنا وقهرنا وعجزنا.. شعرت كأنني أخطبوط كبير … كبير … وأذرعي الكثيرة تمتد وتمتد لتخنق تجار الأزمة …لتقلصهم …لتعيدهم لحجمهم ما قبل حصارنا. .. كره وحقد وألم يعتمر روحي …. صوت قذيفة تطير في الجو أيقظني من تخيلاتي … ما هي إلا دقائق معدودة حتى جمع التجار أموالهم وهرعوا راكضين باتجاه بيوتهم …خوفاً على جيوبهم الممتلئة من موت محتمل … أما أنا فلم أتحرك من مكاني … لم أعد خائفة من شيء … ههههههههههه تعالت صوت ضحكتي … وتلاه صوت بكائي … لا أعلم لذاك سبباً … فما عانيته من ظلم وذاقته روحي من أسى وأختبره قلبي من حزن وفراق جعل الحياة تبدو لي بغير ممتعة ولا تحمل للجمال والسعادة أي معنى … لم تعد مشوقة … وأصبح الموت سبيلاً أنجع للخروج من كل ذاك القهر … قريتي …فوعتي التي شهدت دموعي وآلامي واحتراقي تشهد اليوم عجزي وجوعي … صوت معدتي الفارغة منذ يومين شتت أفكاري

… مشيت ومشيت ويداي تلوحان بألف ليرة خضراء … خيل إلي للحظات أن ألفها كسيجارة تبغ معتق وأشربها بلذة المنتصر … ولكنني ضحكت على نفسي … أي نصر ؟؟؟ هل تعتقدين أن هۏلاء التجار الذين امتلأت بيوتهم وحساباتهم البنكية بالذهب والأموال والدولارات يأبهون وينتظرون تلك الورقة ليزيدوا من أرصدتهم ؟ تباً … بدأت القذائف تنهال على بلدتي الفوعة وكفريا … وصوت صفارات الانذار تعلو وتعلو …معلنة بدأ تجول الموت في شوارع قريتي … أحمل ذيول خيبتي.. مشيت عائدة بطريق منزلي خوفاً على أطفالي من القصف … وأنا في طريق العودة وجدت رجلاً عجوزاً يرمي جسده النحيل على كرسي مهترئ …جالساً في دكانه الصغير الخالي من أية مواد سوى كيس واحد … -السلام عليك يا أبي … – رفع نظره إلي بلا مبالاة راداً : وعليكم السلام – هل لديك شيئاً للبيع ؟ – دفع إلي ذاك الكيس الممزق خذي …هذا شعير لم يتبق لدي سواه … – شعير ؟؟؟؟ شعرت بروحي تطير في سماء قريتي وتتمزق وتتناثر كأسهم حارقة … أسهم نارية تنفجر قهراً … تنفجراً وجعاً … يا الله… كيف سأطعم أطفالي الشعير ؟؟ -أخذتهم و بدون تفكير غيرت مسار طريقي وذهبت إلى قبر زوجي صرخت بكيت ضممت القبر أنبته … عاتبته … شكوت له عجزي وفقري وجوعي رفعت تراب قبره و شممته … أشتاقك يا علي. .. أشتاقك يا روح الفۏاد أشتاقك يا أبي …يا أخي …يا سندي …يا طفلي … أشتاقك يا حبي الأوحد … لما تركتنا فريسة سهلة لهۏلاء الظالمين …؟؟ لما تركتنا لقمة سائغة لهۏلاء المستغلين ؟؟ دفعت دمك وروحك لتحميهم ؟؟ أنت تقبع تحت التراب … وهم يصولون ويجولون فوق الأرض أحياء … يا علي طعام عيالك اليوم الشعير يا علي … الشعير يا شهيد …يا بطل …يا مقاوم … خسارة تلك الدماء يا علي … خسرتها ليعيش المستغلون ويموت الأبطال يا علي ….. لم أعد قادرة على المشي … ولم أعد أشعر سوى بتمني الموت والاستلقاء بجانب علي … رجوته باكية …ضمني إليك يا علي … روحي بحاجة روحك يا علي … ولكنه لم يجب … لم يجب …. قمت بغلي حبات الشعير في ماء على موقد النار … وأطعمت صغاري الجياع … أطعمتهم حبات الشعير القاسية الممتلئة بالقهر والأسى … كانوا يلوكونها على أسنانهم اللبنية البيضاء بكل ضراوة … كما تلوك الماعز علفها كان طعاماً جافاً … قاسياً … باختصار :

كان طعام الدواب !!! … هذا اليوم سجل احدى المعارك التي شهدتها روحي بهذا الحصار القاسي … معركة الجوع المزمن … معركة الفقر والحاجة… معركة القهر والألم … كان الخسارة نتيجي … كما هي نتائجي ضمن الحصار أنا الخاسرة بكل شيء … بكل شيء … وأقسى تلك الخسارات أنني خسرت زوجي … سندي وعوني … قوتي وأملي … حبي وعشقي … تركني وحيدة …تائهة مع ٣ أطفال صغار يحتاجون عمراً وقوة وإرادة ليكبروا ويصبحوا شباباً … تركني ومضى … ومن ساعة الفراق لم أدري إن أصبحت الحياة خلفي أم أمامي .. ولكنني أعلم جيداً أن روحي أصبحت سوداء …معتمة …ولم يعد للألوان أي مكان !!… فقد سئمت الحياة … وسأعيش ما تبقى بانتظار رحيلي إليه ….. أيها البعيد عني … البعيد كثيراً …كشيء لا يرى … والقريب مني .. القريب جدا …كملمس يدي أيها العالق في منتصف الطريق .. بيني وبين الأشياء لا أنت ترحل وأنساك ولا أنت تأتي وأجدك بتوقيع : إمرأة الحصار، هنا الفوعة وكفريا ….

 

 


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.