عاجل
أخر الأخبار
يوميات حصار ؟!
السبت 04 مارس 2017

وكالة شعاع نيوز/ خاص

بقلم: زينب الحسن

استيقظت الأم وأطفالها الصغار على صوت الرصاص الكثيف على صوت القصف والمدفعية..تبدو بداية ليومٍ جديدٍ لا تبشر بالخير …
لم تلبث الشمس الخجولة أن أنارت بيتهم المتهالك إلا واشتد القصف بالصواريخ الثقيلة والراجمات ….
استيقظوا والخوف يملأ النفوس والقلق يجول في الصدور …
ودمعات الصغار تتحجر بالمقل …
الأم في حالة ارتباك وذهول … والأطفال الصغار يتدافعون كالموج الهادر إلى حضن الأم الخائفة …
توالت الضربات …
توالى القصف …
اشتد صوت الرصاص …
عم المكان هدوء مخيف …
تساقطت الدموع المتحجرة كسيل جارف ….
تبللت ثياب الأطفال بتبول لا إرادي نتيجة الخوف ….
ماذا تفعل الأم وهي مشلولة الحركة نتيجة الرعب والخوف؟ …
استجمعت قواها وهبت واقفة كالنسر الشامخ الجريح مقطوع الجناح
غيّرت ثياب أطفالها …
وجمعت كسرات خبز يابس وتكورت على أطفالها تطعم أفواههم الجائعة ….
لم يخطر في بالها سوى زوجها وابنها على جبهات القتال …
ما هو حالهم ؟؟
هل هم بخير ؟؟؟
وضعت يدها على رأسها وتوسلت لله العلي القدير أن يحفظهم ويحميهم، هم وكل مقاتل يدافع عن عرضه وشرفه…
كان إيمانها بالله … وثقتها بقدرة المقاتلين الأبطال الأشاوس على جبهات القتال تبعث في نفسها الثقة بالنصر على الإرهاب الحاقد الجاحد …
بعد برهة…
قطع تسلسل أفكارها صوت قوي يندفع باتجاه بيتها …
صوت قوي …
أقوى …
إنه صاروخ كبير …
صاحت هي وأطفالها يا رب السماوات
يا رب العرش العظيم …
تعالت أصواتهم خائفة يا رب …
وحدث الانفجار الكبير…
سقط صاروخ الرعب قرب منزلها…
نظرة خاطفة على أطفالها … لم تشاهد أحدا منهم …
صاحت حسين…
أسامة…
مريم…
فاطمة …
الركام والغبار غطاهم جميعاً…
استجمعت قواها المنهارة ونبشت أطفالها من تحت الركام وهي تنادي
ياالله
ياالله
أغثنا يا الله ….
وربما غابت بعدها عن الوعي
ولم تعلم ماذا حصل ؟؟
ولكنها كانت متيقنة من أمر واحد …
شعرت بالملائكة بجانبها تربت على كتفيها …تواسي مصابها ..سمعتهم يقولون لها :
الرب العظيم يقرۏوك السلام …
ألا تخافي ولا تحزني …
شعرت بطمأنينة نوعاً ما
….
واشتد القصف أكثر وأكثر …
كل الكون صامت ماعدا صوت الموت !!!! …
كان الموت صاحياً …. متيقظاً ذاك النهار …
مرت الساعات بطيئة جداً … وزاد جوع الأطفال من ثقل ثوانيها ولحظاتها …
واشتد ألمهم…
ولكنهم كانوا صامتين …
فالرعب والخوف يلف على أعناقهم حبل غليظ الحجم … بشع المنظر …
فجأة ….
توقف القصف …
هدأت كل الأصوات …
وعلت أصوات الآذان معلنة رحيل ذاك اليوم …
الله أكبر … الله أكبر …
أشهد أن لا اله الا الله …
وصل صوت الآذان الى مسامع الأطفال …فجال في النفوس ارتياح وطمأنينة …
….
فجأة تندفع جموع الناس نحو ذاك المنزل …
تنادي الأصوات أم علي…
أم علي …
تناهى إلى سمعها صوت بكاء ونحيب …
صوت صراخ عميق …
وقفت في مكانها متسمرة وقدماها لم تعد تحملان جسدها النحيل ….
عرف قلبها أن أبو علي قد جاءها اليوم شهيداً ….
شهيداً كما كان يتمنى …
مشت بخطوات متثاقلة صوب الباب وأدارت مفتاح الباب بهدوء ….
عم الهدوء بين الجمع الغفير أمام الباب …
وتسمرت العيون على أم علي !!
ماذا ستقول ؟؟؟
ماذا ستفعل ؟؟؟
أتمزق ثيابها يا ترى  ….؟
مشت صوب سيارة الاسعاف بخطوات ثقيلة جدا جدا …
لف  الصمت المكان من جديد …
وضعت يدها على الجسد المطلخ بالدماء.. ارتجفت …ارتعشت …صاح قلبها ياالله …
ياالله ….
أنه علي ولدي …
ارتمت فوق الجثة تبكي بلا صوت ..
تبكي والجبال تتزعزع …
تبكي والكون يبكي ….
لم يقترب أحد من الحاضرين ..
كانت النفوس تقول دعوها فاليوم هي أم الشهيد …اليوم هي أم العريس …
وقفت ورفعت أيديها الى السماء…
يا الله .. علي اليوم لديك أمانة …
ياالله علي لديك اليوم عريس …
ارتفعت أصوات الحاضرين بالبكاء …
ارتفعت الأصوات أكثر …

فجأة وبدون سابق انذار سيارة اسعاف أخرى وقفت أمام البيت …
ركضت أم علي إليها بدون أن يخبرها أحد !!!!!
وربما صوت ما قد أخبرها  …
أبو علي أيها الشهيد المجاهد البطل …
أبو علي يا نور عيني …
أبو علي يا روح الفۏاد ….
وضعت يدها على جثة زوجها الشهيد واليد الأخرى على جثة ولدها الشهيد أيضاً وصاحت بأعلى صوتها : اللهم خذ منا حتى ترضى…
اللهم تقبل منا هذان القربانان …
ساد صمت عجيب على المكان …
الكل يشاهد أم علي .. دموع الفرح أم دموع الحزن هي يا أختاه؟!
الزوج والابن أبيا إلا أن يرحلا معاً …
أطفال أبو علي التفوا حول جثماني الأب والابن يرقبان ابتسامتين عريضتين …
لمن هي هذه الابتسامة يا علي؟ لمن هذه الابتسامة أبا علي؟
جبروت الشهيد ما وازاه جبروت آنذاك …
اختلط الدم بالدم فأبكى الكون حزناً وألماً…
حتى السماء أبت إلا أن تشاركهما الفرحة والحزن معاً …
الغيث يتساقط وقمر أول المساء قفل عائداً…
علي رحل وأبا إلا أن يرافقه أباه في نفس الموكب…
ونحو مئة آخرين من الشهداء صعدوا في ذاك الموكب المهيب…
ارتقوا ولم يسقطوا فأبوا أن يحنوا ويهونوا …
دم الشهيد عطّر المكان…
جبروت الأم والزوجة شد الحاضرين … أم علي زغردت بقوة ذاك اليوم
جبروتها خفف آلام عشرات الجرحى ذاك اليوم ممن وصلوا إلى المشفى الوحيد في البلدة
يلف الليل المشهد محاولاً لملمة الجراحات والتخفيف من الآلام …
أرواح الشهداء لم تغادر ذاك المكان ..وقيل بل أكثر أن أرواحهم بقيت ترفرف فوق أرجاء المدينة الصامدة…
وأن نجوم السماء منحتهم بريقها وأن الأرض بقيت مذاك عصية على الإرهاب وأن أزهار الأرض النابتة بقيت تنشر الحب والسلام في كفريا والفوعة … هناك حيث للرجولة معنى آخر ولعشق الأرض حكايات لكنها ليست كأي حكايا

…….. انتهى ……

يوميات الحصار … حكايا الحصار من قلب الحصار في قلعتي الصمود كفريا والفوعة

الحادثة من الشمال السوري – ريف ادلب الشمالي حيث تقع بلدتي كفريا والفوعة المحاصرتان منذ عامين من قبل العصابات الإرهابية التابعة للرياض وأنقرة والدوحة.. هناك حيث يقتل الارهاب والجوع والبرد والعطش والتهميش أطفالاً وبشكل يومي دون أي إدانة تذكر ودون أن يتحرك مسلم أو عربي ليقف بوجه هذا الظلم الذي يتعرضون له.
بتوقيع : الفوعة وكفريا
بقلم : زينب الحسن


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.