عاجل
أخر الأخبار
هياج ترامب .. روسيا ما بعد بوتين
الخميس 27 سبتمبر 2018

خاص شعاع نيوز

 

 

بقلم الاعلامي : *محمد عيسى

فشلت إدارة جورج بوش الابن وإدارة باراك أوباما من بعده في لجم الصعود السريع لروسيا الاتحادية على مدى 16 عاماً من المواجهة، ومن أبرز محطات تلك المواجهة حرب جورجيا التي اندلعت في الثامن من آب عام 2008، وأدت في نهايتها إلى إعلان استقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وانضمامهما إلى الاتحاد الروسي.

في هذه الأثناء، أي في العام نفسه، وبعد تفاقم الأزمة المالية عالمياً، جاء الاعلان عن تأسيس تكتل “بريكس” الاقتصادي، الذي كان قد طرح كفكرة في عام 2006 على هامش اجتماعات الجمعية العامة بين وزراء خارجية روسيا والصين والبرازيل والهند (جنوب افريقيا انضمت إلى التكتل عام 2011)، وبدأت لاحقاً مباحثات جدية لاستخدام العملات المحلية في التعاملات التجارية بين أعضاء المجموعة ودول أخرى من خارج التكتل.

بعد أربع سنوات من صمود سورية في وجه جيوش الولايات المتحدة البديلة، قررت روسيا الاتحادية التدخل عسكرياً في سورية بطلب من القيادة في دمشق، وفي أيلول من عام 2015، أنشأت القوات الجو – فضائية الروسية قاعدة جوية في حميميم على الساحل السوري، وعززت وجودها العسكري البحري في قاعدة طرطوس، وبدأت أولى ضرباتها ضد تنظيم “داعش” الإرهابي في 30 أيلول، واستطاعت من خلال دعمها الجوي للجيش السوري وحلفائه أن تقلب الموازين على الأرض بسرعة قياسية، مقوضة بذلك المخططات الأمريكية الإرهابية للسيطرة على البلاد.

لم تصل “ثورة أوكرانيا الملونة” المدعومة أمريكياً بشكل علني إلى النتائج المطلوبة، بل على العكس تماما فقد أدى النزاع مع روسيا إلى عودة شبه جزيرة القرم إلى روسيا بعد استفتاء أجري في 16 آذار 2014، ومنيت الولايات المتحدة مرة أخرى بهزيمة مدوية أمام روسيا الصاعدة بقوة إلى المسرح العالمي، دون أن تقدم الأخيرة أي تنازلات في الملف السوري.

آخر محاولات إدارة أوباما لقلب الأوضاع وحصار روسيا داخل حدودها ومياهها الإقليمية، كانت في محاولة الانقلاب الفاشل على نظام أردوغان في تركيا في15 تموز 2016، على غرار ما فعلته مع حلفائها في تونس ومصر، لكن موسكو وطهران تدخلتا بقوة لإفشال هذا الانقلاب ونجحتا في اجتذاب رجب طيب أردوغان وتطويعه لتحقيق الاستقرار في سورية.

بعد الهزائم التي منيت بها واشنطن ،كان لا بد من تبديل جذري في الاستراتيجيات والتكتيكات المتبعة لمواجهة روسيا وحلفائها، والدفع بالمواجهة إلى أقصى حدودها وتوسيع رقعتها الجغرافية لتشتيت القوى المنافسة وانهاكها، واعتمدت “الدولة العميقة” في الولايات المتحدة الأمريكية على قدرتها في إدارة وتمويل الصراعات في جميع مناطق النزاع دفعة واحدة، ورأت في دونالد ترامب الرجل المناسب لاطلاق الاستراتيجية الجديدة التي بدأت باتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الأمريكية فور وصول ترامب إلى سدة الحكم في 20 كانون الثاني عام 2017، وتطبيق عقوبات اقتصادية بحقها بذريعة هذا التدخل.

توالت سلسلة العقوبات الأمريكية التي بدأت بعد عودة القرم إلى روسيا، وأعلن ترامب عن عقوبات جديدة على خلفية قضية الجاسوس “سكريبال” في لندن، لكن هذه العقوبات لم تنجح في تغيير الاستراتيجية الروسية المتبعة في الملفات الأساسية كسورية، مع أنها أضرت بالاقتصاد الروسي بشكل واضح.

من ناحية أخرى، أشعلت إدارة ترامب جميع الجبهات مع روسيا دفعة واحدة، في كوريا الشمالية والصين وإيران، وعملت على تطبيق رسوم جمركية كبيرة على البضائع الصينية، وحشدت أسطولها في بحر الصين وشبه الجزيرة الكورية والبحر المتوسط، كما أنها انسحبت من الاتفاق النووي مع طهران، وأعلنت عن حزمة من العقوبات الاقتصادية بحقها من بينها منع إيران من بيع نفطها، وعززت وجودها العسكري في الخليج العربي، إضافة إلى تسليح السعودية وغيرها من دول الخليج بأسلحة متطورة لمواجهة “الخطر الإيراني”.

حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا والخليج، لم يسلموا من هياج إدارة ترامب وضغوطها، بل تعرضوا للابتزاز السياسي والمالي، كما مارست هذه الإدارة وما تزال ضغوطاً على منظمة “أوبك” لتخفيض أسعار النفط، الأمر الذي سيؤثر سلباً على الاقتصاد الروسي بشكل خاص، لكنه سيلحق الضرر أيضاً بجميع المنتجين داخل المنظمة وخارجها، بمن فيهم “حلفاءها” الخليجيين.

الواقع أن الصعود الروسي السريع كمنافس على الساحة الدولية ليس هو ما يقلق الإدارة الأمريكية الحالية والإدارات اللاحقة، فبإمكان واشنطن أن تبقي على حالة الاشتباك بشكله الحالي حتى رحيل بوتين عن السلطة، وهي بذلك ستضعف من قدرة أعدائها وخصومها على الصمود لفترة طويلة، لكن القلق الأساسي ينبع من إمكانية تأسيس نظام واستراتيجية روسية مستدامين، لا يمكن معهما الرهان على رحيل رئيس بعينه من الكرملين، وهذا ما تحاول الولايات المتحدة منعه بكل قوتها.

فلاديمير بوتين لم يسع إلى مقاومة العولمة وإغلاق الاقتصاد والمجتمع الروسي في وجهها، بل سارع إلى تأسيس نظام حكم فيدرالي واتبع سياسة السوق المفتوحة، واستطاع من خلال هذه الاستراتيجية أن يجتذب العديد من خصوم أمريكا وأصدقائها، ذلك أنه قدم نموذجاً مختلفاً عما قدمته واشنطن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، فجميع شعارات الحرية وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات البراقة التي رفعتها الولايات المتحدة الأمريكية كذريعة للسيطرة على الموارد الاقتصادية وتطويع المجتمعات والحكومات المناهضة لها، فضلاً عن سلوكها المذل تجاه من تسميهم “حلفاء” أو “شركاء”، جميع تلك الشعارات والقوانين الدولية طبقها فلاديمير بوتين بحذافيرها وجوهرها، فاستطاع استقطاب دول كبيرة ودول عظمى إلى فضائه، مقدماً روسيا الاتحادية كحليف استراتيجي قوي، يحترم مصالح حلفائه ويصونها ويحترم خصوصياتهم الثقافية والاجتماعية.

 

*محمد عيسى: اعلامي سوري


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

  • بحث

  • آخر الأخبار