عاجل
أخر الأخبار
عندما تغتال الطفولة .. من المسؤول؟
الأربعاء 15 أغسطس 2018

وكالة شعاع نيوز/ خاص

 

بقلم: تقي الدين تقي

كثرت في الآونة الأخيرة مسألة تشغيل الأطفال في عدد من دول العالم في وقت استغل فيه هؤلاء أيما استغلال من قبل أفراد ومؤسسات بهدف تلبية تطلعاتهم مقابل أجور قليلة تمنح لهؤلاء وذويهم، لكن اللافت في الأمر أن موضوع تشغيل الأطفال تخطى الحدود وكسر الحواجز متجهاً نحو عواقب لم تكن يوماً في الحسبان.

ما هي هذه الظاهرة؟
تُعرّف منظمة اليونيسيف الطفل على أنه الحدث الذي يقل عمره عن 18 عاماً. والهدف من كل ذلك هو حماية الملايين من الأطفال في مختلف أنحاء العالم ممن يتعرضون للاستغلال الوحشي من قبل الرأسمالية العالمية.

يحتفي العالم في 12 يونيو/حزيران من كل عام باليوم العالمي لمناهضة عمالة الأطفال فيما لايزال الطفل يمثل الضحية الأكبر في كل مراحل الحياة التي يمر بها من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية تراكمت لسنوات، فالقت بظلالها على الأطفال وأودت بهم خارج نطاق المدرسة كإطار حاضن أساسي وصانع لحاضر ومستقبل هؤلاء الاطفال، وبالتالي صارت الشوارع وأسواق العمل هي الأماكن التي تجذبهم وتستغلهم في أعمال كثيرة وخطيرة مخالفة للقوانين الوطنية والمواثيق والاتفاقات الدولية الخاصة بحقوق الطفولة.

 

“الحروب” هي الأخرى، جاءت لتفاقم مأساة الطفولة وزادت من التحاق الأطفال بسوق العمل، مما اضطر كثير منهم لترك التعليم نتيجة الظروف المادية الصعبة لأسرهم والواقع المعيشي المفروض والذي حال دون مواصلتهم التعليم فاضطروا إلى مزاولة الأعمال لكسب المال وتغطية حاجيات أسرهم المعدمة، خاصة وأن أغلب الآباء فقدوا أعمالهم نتيجة العدوان على بلادهم عندما قضت الصراعات الداخلية على أعمالهم ومصادر دخلهم التي كانت تمثل مصدرهم الوحيد.

ورغم البرامج والسياسات الاستراتيجية المتخذة من قبل الجهات المعنية الحكومية من جهة والمنظمات الدولية والمحلية من جهة أخرى للحد من ظاهرة عمالة الأطفال، لكن ثمّة عوامل عدة كانت ولاتزال تقف حجر عثرة في مكافحة هكذا ظاهرة لعل أبرزها الواقع السياسي الذي أودى بالكثيرين إلى مآلات الحرب والدمار والخراب.

ونظرًا للأزمة الإقتصادية الطاحنة التي تخلقها التحالفات ورأس المال العالمي والتكتلات الإقتصادية العالمية التي ترتفع من الناحية الاقتصادية لدى فئة معينة من البشر وتتدنى لمستويات أقل عند فئات أخر، اضّطرت بعض الأسر المعدومة، للدفع بفلزات أكبداها للنزول إلى أرض الواقع في سن صغيرة، تبدأ من السابعة أو أقل للمشاركة في إعالة الأسرة، وأغلبهم يتخلى مُجبرًا عن مُستقبله الدراسي بغية مواكبة العيش وسوق العمل لتوفير مؤونة البقاء على قيد الحياة، مما يضطر هؤلاء للتخلي عن طفولتهم وحقهم في العيش بالتساوي مع جميع أطفال العالم.

وتعزز عمالة الأطفال دورات الفقر بين الأجيال، وتقوض الاقتصادات الوطنية وتعرقل التقدم باتجاه تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، كما أنها ليست سببًا فقط، ولكنها أيضًا نتيجة لعدم المساواة الاجتماعية التي يعززها التمييز، فالأطفال من السكان الأصليين أو الطبقات الدنيا هم أكثر عرضة للتسرب من التعليم للعمل، كما أن الأطفال المهاجرين أيضاً معرضون للعمالة الخفية وغير المشروعة.

ويلعب الفقر والصدامات الاقتصادية دورًا هامًا، أو حتى دورًا حاسمًا، في تحديد سوق عمل الأطفال، ويسهم عمل الأطفال بدروه في استمرار الفقر. وقد بينت النتائج التجريبية الأخيرة التي استمدها البنك الدولي عن البرازيل، أن دخول سوق العمل بشكل مبكر يخفض مستوى المداخيل طيلة الحياة بنسبة تتراوح بين 13 و 20 في المائة، مما يزيد احتمال البقاء في رقعة الفقر في المراحل التالية من الحياة بشكل كبير، إلا أنّ الفقر وحده لا يكفي لتفسير وجود عمل الأطفال كما أنه لا يبرر وجود بعض أسوأ أشكال عمل الأطفال المطلقة.

 

ولفهم عمل الأطفال بشكل أشمل، من الضروري النظر إليه من منظور حقوق الإنسان لأنها تشدد على أن التمييز والاستعباد هما عوامل تسهم في استشراء عمل الأطفال، والمجموعات الأكثر تعرضاً لعمل الأطفال هي في غالب الأحيان تلك التي تتعرض لمختلف أشكال التمييز والاستعباد من قبيل، الفتيات والأقليات الإثنية والشعوب الأصلية والقبلية والطبقات الأدنى من المجتمع والمعاقون والمهجرون وأولئك المقيمون في مناطق نائية كما هو الأمر مع فتيات فلبينيات اضطرتهن ظروف الحياة للهجرة بطرق غير شرعية لدول الخليج للعمل هناك بأجور زهيدة.

وقد بينت الاحصاءات والبيانات الدولية المختلفة أن مشكلة تشغيل الأطفال من المشاكل الأكثر خطورة في عالمنا المعاصر، وهذه المشكلة ليست مقتصرة على دولة بمفردها أو عدة دول بل تشمل إضافة إلى البلدان الفقيرة، البلدان الصناعية الأكثر تطوراً، وقد وجد أرباب العمل في عمل الأطفال مجالاً لتحقيق الأرباح الطائلة.
وفي مقدمة المنظمات المعنية بقضية عمالة الأطفال في العالم منظمة العمل الدولية، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو” (UNESCO)، ومؤسسة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة، ومنظمة الصحة العالمية.
ويبدو أن طرح هذا الموضوع من جديد من قبل منظمة العمل الدولية يهدف إلى إثارة الرأي العام العالمي ليعير اهتمامه الدائم لهذا الوضع، ولايجاد تيار دولي معارض لتشغيل الأطفال وفق المعايير الدولية.

 

وغالباً ما تستغل الدول الكبرى هذا الملف لايصال رسائل سياسية ضد حكومات ودول لاتتبع لسياساتها، مما يوجب على تلك الدول العمل على طرح حلول لمعالجة هذه الظاهرة وسحب هذا الملف من تلك الدول الكبرى.

ورغم مصادقة جميع الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية -ما عدا دولتين- على الاتفاقية المعنية بحقوق الأطفال التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1989 إلا أن أكثر من 13 مليون طفل عربي منخرطون اليوم في سوق العمل بينهم ثلاثة ملايين في مصر و600 ألف في اليمن وأكثر من 105 آلاف في دول الخليج.

ادعاءات دولية بمعالجة مشكلة عمالة الأطفال:
تقول الولايات المتحدة الأمريكية أنها تنفق سنوياً مبلغ 39مليون دولار في اطار استراتيجيتها مكافحة عمالة الأطفال في الجمهورية اليمنية وحدها في وقت اعتبر أخصائيون هذا المبلغ بأنه غير كاف، مقارنة بما تنفقه واشنطن على التسليح.
ويعزو خبراء تفاقم مشكلة عمالة الأطفال إلى أسباب شتى من أهمها:
– البطالة والفقر وانهيار الأوضاع والاقتصادية وراء تفاقم الظاهرة واستفحالها في دول العالم الثالث.
– الحروب والصراعات الداخلية والخارجية.
– تدني مستويات المعيشة في عدد من الدول مما يضطر كثيرين لاستخدام الأطفال لتحقيق مكاسب أكثر.
– جشع الأفراد والشركات الرامية لتحقيق مطالبها من خلال أيد رخيصة وغير مكلفة.
– الوضع الاجتماعي أو فقدان الأهل مما يجبر الأطفال على ترك مدارسهم والتوجه للحصول على لقمة عيشهم.

 

 

كم يبلغ حجم هذه العمالة في العالم؟
لم تتوفر إحصائيات دقيقة عن حجم عمالة الأطفال على مستوى العالم، وتشير تقارير بعض المنظمات الدولية المستقلة إلى أن عدد الأطفال المنخرطين في أسواق العمل على مستوى العالم يقدر بنحو 300 مليون طفل وربما أكثر من بينهم أكثر من 90% في قارتي آسيا وافريقيا.
في حين كانت إحصائيات صادرة عن مكتب منظمة العمل الدولية في العام 1996 قد ذكرت أن هناك 250 مليون طفل عامل في فئة السن 5-14 سنة على مستوى العالم، منهم 140 مليون صبي بنسبة 56% و110 ملايين فتاة بنسبة 44% .

واحتلت قارة أسيا المرتبة الأولى في حجم عمالة الأطفال بنسبة 61 % تلتها قارة افريقيا 32 % ثم أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي 7% . ويرى بعض الباحثين من منظمات وجهات معنية بشؤون الطفل أن الرقم الحقيقي أكبر من هذه الإحصائيات، حيث تقل نسبة التسجيل في الإحصاءات الرسمية لدول لعالم الثالث عمومًا عن الواقع الفعلي. كما أن إحصائيات اليونيسيف لا تشمل الأطفال العاملين الموجودين في دول العالم المتقدم، في أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا واليابان.

وللوقوف أمام بعض النماذج عن حجم ظاهرة عمالة الأطفال في الوطن العربي، نجد أنه في لبنان مثلاً، يقدر عدد الأطفال المنخرطين في الفئة العمرية (10-17سنة) بنحو 43400 طفل منهم 11.8 % ما بين 10 و13 سنة و 88.2 % بين 14 و17 سنة وتتوزع هذه النسب بين 87.5 % للذكور و 15.5% للإناث.

وكما تشير دراسة أعدت بالتعاون بين منظمة العمل الدولية و وزارة العمل اللبنانية، حول (التبغ) الذي يعد أحد أبرز المحاصيل الزراعية ويغطي ما مساحته 91 ألف دونماً من الأراضي اللبنانية، يعمل في زراعته وقطافه نحو 24 ألف مزارع، عدد كبير منهم من الأطفال والمراهقين.

وتشير تقارير رسمية يمنية إلى أن 11% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و 14 سنة في اليمن ينشطون في القوى العاملة، و10.1 % نشيطين اقتصادياً، في حين يصل عدد الأطفال ممن هم دون سن العمل إلى أقل من 18 عاماً وهو ما يقدر تقريباً بنصف سكان اليمن البالغ عددهم الإجمالي أكثر من 21 مليون نسمة.

 

 

الآثار السلبية الناتجة عن عمالة الأطفال
– حرمان الأطفال من الحصول على التعليم نتيجة العمل.
– التعرّض لظروف العمل الصعبة التي لا تتناسب مع الحالة النفسية، والجسمية، والعقلية للطفل.
– حرمان الطفل من التمتع بطفولته كباقي أقرانه.
– التعرض لإصابات العمل الخطيرة، نتيجة ظروف العمل.
– انتشار العديد من العادات السيئة والمضرّة بالصحّة بين الأطفال العاملين مثل تعاطي المخدرات، والتدخين.
– استغلال الطفل العامل، وانتهاك حقوقه من قبل أرباب العمل، وتشغيلهم لعدد طويل من الساعات.
– إحساس الطفل بالقهر الاجتماعي، ممّا يتسبّب في جعله عدواني، ويميل إلى العنف.
– قلب موازين القيم عند الطفل حيث يصبح المال أغلى من القيم الفضيلة التي تعلمها من المجتمع ممّا يدفعه إلى القيام بتصرفات خاطئة من أجل الحصول عليه.
– القضاء على فرصة إيجاد قيادات متعلمة تستطيع التنمية والتخطيط من أجل تقدم المجتمع، ممّا يؤدي إلى تعزيز حالة الفقر المجتمعي.

لكن ماذا عن الحل؟
كما ذكرنا الآثار السلبية الناجمة عن عمالة الأطفال، نتطرق هنا لبعض الحلول للتخلص من هذه الظاهرة وأهمها:
– عدم إجبار الأطفال على العمل بأي شكلٍ من الأشكال.
– توفير أدنى حدّ للعيش الكريم للأطفال، ومنحهم حقّهم في اللعب، والتعليم، والترفيه.
– إغلاق المؤسّسات التي تشغل الأطفال، وتستغلهم.
– وضع قوانين رادعة لمعاقبة أرباب العمل ممن يقومون بتشغيل الأطفال وانتهاك حقوقهم.
– المحافظة على الأطفال من التشرد، والضياع.
– وضع الاتفاقيات وسن التشريعات التي تمنع استغلال الأطفال.
– كفالة الأطفال ممن هم بلا مأوى، والنهوض بهم عن طريق دمجهم بالمجتمع.

وفي النهاية لابد من أخذ هذه الظاهرة على محمل الجد والبدء بمعالجتها على الفور سواء من قبل الحكومات، أو من قبل المنظمات الدولية لانقاذ جيل بل وربما أجيال من الضياع والارتماء في أحضان مستقبل غامض قد يزج بهم إلى أتون الإرهاب والتنظيمات الإرهابية أو يزيد من معدل الجرائم في المجتمع من خلال ما تعكسه هذه الظاهرة من آثار سلبية على الفرد والمجتمع.

 

#المصادر:

  •  منظمة الأمم المتحدة
  • منظمة رعاية الطفولة والأمومة يونيسيف
  • منظمة هيومن رايتس مونيتور
  • موقع سبتمبر الاخباري

أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

  • بحث

  • آخر الأخبار