عاجل
أخر الأخبار
سورية والأمن الغذائي في المنطقة
الأحد 17 فبراير 2019

شعاع نيوز/ مركز كارنيغي

 

 

 

 

بقلم : هادي فتح الله  إعداد:: نور الشربجي

يتحدث الكاتب عن  تحسين آفاق الأمن الغذائي من خلال استئناف التجارة الزراعية في سورية. فاستعادة الأمن الغذائي الإقليمي لا تعني فقط إمكانية حصول ملايين النازحين السوريين على الغذاء، بل تعني أيضاً تحسين الظروف المعيشية لعدد كبير من المجتمعات الزراعية، والمجتمعات التي تستضيف اللاجئين في البلدان المجاورة.
تتمتع سورية بموقعٍ فريد يجعل منها ممراً تجارياً في الشرق الأوسط، وبالتالي تؤمّن للبنان وتركيا والعراق والأردن –التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين– وصولاً إلى الأسواق الزراعية الإقليمية. في الواقع، تلعب سورية دوراً أكبر في التجارة الزراعية العالمية، عبر ربط طرق الإمداد بأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وروسيا وبلدان مجلس التعاون الخليجي.
رأى الكاتب أن الأزمة السورية دفعت إلى اتجاهين رئيسَيْن أدّيا إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي في المنطقة. يتمثّل الاتجاه الأول في انخفاض إجمالي التبادل التجاري الزراعي مع سورية وعبرها، وذلك نتيجة التحوُّل نحو طرق تجارية أخرى لتجنُّب الأعمال العسكرية و/أو الحدود المغلَقة. هذه الطرق الأطول مسافةً والأكثر خطورة –بسبب سيطرة “داعش”– أسفرت عن زيادة تكاليف النقل كما أحدثت خللاً في سلاسل التموين. أما الاتجاه الثاني فيتمثّل في انخفاض إجمالي الإنتاج الزراعي، ليس في سورية وحسب، وإنما في البلدان المجاورة بسبب عوامل عدّة منها النزوح السكّاني، ومحدودية الوصول إلى المياه، والنشاط العسكري. وقد تحوّل هذان الاتجاهان إلى حلقة مفرغة كانت لها تداعيات سلبية وخيمة على المعنيّين بالقطاع الزراعي وسلاسل التموين الغذائي. كما تسبّبا بنقص في المواد الغذائية الأساسية، وارتفاع شديد في الأسعار، وخسارة في العائدات.
قبل اندلاع الحرب في سورية، كان هناك العديد من الطرق التجارية التي تُستخدَم في نقل الإمدادات الغذائية من وإلى سورية وعبرها. كان لبنان يُصدّر منتجاته الزراعية والغذائية إلى سورية عن طريق معبر المصنع. ومن هناك، كانت المنتجات الغذائية تنتقل إلى الأردن عن طريق معبر نصيب عند الحدود السورية-الأردنية ثم إلى دول مجلس التعاون الخليجي. وكانت تركيا تُصدّر منتجاتها عبر طريقَين أساسين: الأول إلى سورية عبر معبر باب الهوى ومن هناك إلى الأردن ودول مجلس التعاون الخليجي، أما الثاني فكان يمرّ عبر معبر نصيبين باتجاه معبر الرابية أو معبر البوكمال عند الحدود العراقية. وكان الأردن والعراق يعتمدان أيضاً على الممر السوري لاستيراد المواد الغذائية من أوروبا وروسيا عن طريق الموانئ اللبنانية والسورية. وقد تسبّبت الحرب السورية بتغيير مسار الطرقات التي تسلكها سلاسل التموين الغذائية إلى جميع هذه البلدان. فقد اضطُرّ لبنان وتركيا إلى التحوّل نحو الشحن البحري والجوي لنقل منتجاتهما إلى دول الخليج، بينما اعتمد الأردن في تسلُّم وارداته عبر “إسرائيل” وميناء العقبة جنوب البلاد. أما الواردات العراقية من تركيا فتمر حالياً عبر إقليم كردستان العراق.
لاتزال سورية شريكاً تجارياً رئيساً لجميع البلدان المجاورة لها. ونتيجةً لذلك، كان لإغلاق حدودها تأثير حاد على التجارة الرسمية بينها وبين الأردن. إذ تراجعت قيمة الصادرات الغذائية والزراعية من الأردن إلى سورية من 89 مليون دولار في العام 2010 إلى 27 مليون دولار في العام 2016، وتراجعت الواردات من 272 مليون دولار إلى 64 مليون دولار في المدة نفسها. وبالتالي خسر المزارعون والمصدِّرون السوريون وجهةً مهمة للصادرات، في حين خسر التجّار والمستهلكون في الأردن مصدراً رئيساً للغذاء. وقد تسبّب ذلك في الأردن بتضخّم شديد في أسعار المواد الغذائية. إلا أن إعادة فتح الحدود بين البلدين في العام 2018 واستئناف التجارة الثنائية بالمواد الغذائية، سيسهم في التخفيف من حدّة هذه التوترات، وسيساعد العائلات السورية العائدة إلى المناطق الريفية الزراعية على استعادة المصادر التي تتيح لها كسب رزقها، لا سيما في جنوب سورية حول درعا ووادي حوران.
إنّ استعادة الطرق التجارية عبر سورية سيساعد أيضاً الاقتصاد اللبناني المتدهور. فرغم لجوء لبنان إلى زيادة صادراته، لم يستفد من هذه الزيادة بسبب ارتفاع تكاليف النقل. في العام 2016، ارتفعت قيمة الصادرات الغذائية اللبنانية إلى دول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات، إلى 263 مليون دولار –رغم إغلاق الحدود الأردنية– مقارنة مع 214 مليون دولار في العام 2012، عندما كانت الحدود الأردنية لاتزال مفتوحة. استوردَ العراق، الذي يُعتبَر بمثابة وجهة ثانية للمنتجات الغذائية والزراعية اللبنانية، منتجات تبلغ قيمتها نحو 40 مليون دولار، مقارنةً مع حوالي 30 مليون دولار قبل الحرب السورية. غير أن المصدّرين اللبنانيين حوّلوا طرق النقل إلى الشحن البحري والجوي لنقل بضائعهم بغية تجنّب المرور في الأراضي السورية، ما أدّى إلى ارتفاع التكاليف بنسبة 60% تقريباً بالمقارنة مع النقل البري، الأمر الذي تسبّب بتراجع الأرباح التي تُحقّقها هذه الصادرات.
إلى جانب الارتفاع في تكاليف النقل، وتفاقُم الندرة المائية، والمنافسة من المهرّبين السوريين، تسبّبَ تبدُّل الطرقات التجارية بتراجعٍ إجمالي في الإنتاج الزراعي داخل لبنان. وهذا لم يؤدِّ إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الداخل وحسب، بل إن اللاجئين السوريين –الذين يُعوِّل عليهم القطاع الزراعي اللبناني بشدّة للحصول على اليد العاملة– يخسرون أيضاً فرص العمل بسبب تراجع النشاط الزراعي. وفي غضون ذلك، تخسر الحكومة اللبنانية عائدات ضريبية من الصادرات ويزداد العجز في ميزانها التجاري.
بالنسبة للعراق، يُعد استئناف التجارة أمراً حيوياً لمعالجة انعدام الأمن الغذائي في محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى التي جرى تحريرها مؤخراً. وظلّت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في محافظات صلاح الدين ونينوى وكركوك –وهي المحافظات التي تؤمّن السلة الغذائية في العراق– خالية من المزروعات خلال مواسم الزرع والحصاد في العامَين 2017 و2018. وأحد الأسباب هو تردد النازحين داخلياً في العودة إلى مناطقهم.
قبل الأزمة السورية، كانت الصادرات الغذائية والزراعية السورية تولّد عائدات قدرها 1.1 مليار دولار. منذ العام 2014، بقيت معابر البوكمال والتنف والرابية الحدودية بين سورية والعراق مغلقة أمام الحركة التجارية، ما أدّى إلى توقُّف التجارة بالمنتجات الغذائية والحيوانية، ما عدا بعض الأنشطة التهريبية. تُعد تجارة الحيوانات عبر الحدود ضرورية للحفاظ على المصادر الغذائية المحلية في المحافظات المنكوبة بسبب الحرب مثل الأنباء ونينوى. ويمكن لبقية المناطق العراقية أن تستفيد، في المدى القصير، من استيراد المواد الغذائية من سورية للتعويض عن التراجع في الإنتاج، ما يسهم في معالجة الظروف المتردّية في هذه المحافظات.
بالنسبة لتركيا، من شأن المناطق الحدودية في الأناضول أن تشهد تحسّناً في الأمن الغذائي في حال أصبحت المنطقة الواقعة شمال سورية أكثر استقراراً. مع أن قيمة الصادرات الزراعية والغذائية من تركيا إلى سورية ازدادت من نحو 200 مليون دولار في العام 2010 إلى حوالي 600 مليون دولار في العام 2016 –رغم الإغلاق الرسمي للحدود– فمن المرجح أن يؤدي استتباب الاستقرار في شمال سورية إلى عودة اللاجئين السوريين من تركيا. وهذا لن يؤدّي إلى تغيير واسع في الإمدادات الغذائية الوطنية، إنما من شأنه أن يسهم في خفض التكاليف، لا سيما في المدن الكبرى والبلدات الحدودية. وفي الوقت الذي تصدّر فيه تركيا مواد غذائية بقيمة 600 مليون دولار، بطريقة غير رسمية، إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المسلحين (ومن خلالها إلى باقي المناطق السورية)، يمكن أن يؤدي فتح الحدود إلى استعادة الطرق التجارية لتصدير الخضار والفواكه الطازجة واللحوم التركية إلى أسواق مجلس التعاون الخليجي، مع العلم أن قيمة هذه الصادرات بلغت ما لا يقل عن 1.2 مليار دولار في العام 2016، ويتم شحنها حالياً بحراً أو جواً مقابل تكاليف أعلى.
أما سورية، فمن شأنها أن تُحقّق الفائدة الأكبر من استئناف التجارة الغذائية في المنطقة. إذ يُعد استئناف تصدير المواد الغذائية أمراً ضرورياً لإعادة إطلاق قطاع الأعمال الزراعية في سورية، وهو ثاني أكبر جهة للتوظيف في البلاد بعد القطاع الحكومي. قبل الحرب، كانت سورية تُصدّر منتجات غذائية وزراعية بقيمة نحو 3 مليارات دولار. لاتزال الزراعة تؤمّن ما لا يقل عن 26 % من إجمالي الناتج المحلي السوري، وتوفّر شبكة أمان اجتماعي لنحو 6.7 ملايين سوري. ومع زيادة التركيز على إعادة الإعمار، يمكن أن يُعوِّض الاستثمار في الزراعة عن الأضرار التي لحقت بالقطاع خلال الحرب والتي وصلت قيمتها إلى 16 مليار دولار.
يختم الكاتب بالقول: لدى سورية والدول المجاوِرة مصلحة أكيدة في استعادة الأمن الغذائي في المنطقة. حتى لو كان التوصّل إلى تسوية سياسية شاملة للحرب السورية لايزال أمراً بعيد المنال، يجب أن يُشكّل الأمن الغذائي –في سورية والمنطقة– الأساس لوقف الأعمال الحربية، وأن يؤمّن أرضيةً مشتركة لإطلاق عملية إعادة الإعمار في سورية، واستئناف الترتيبات التجارية الثنائية، وإنعاش الحوار السياسي.


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

  • بحث

  • آخر الأخبار