عاجل
أخر الأخبار
زواج القاصرات .. أجراس الخطر إن دقت، هل من يسمع؟!
الأحد 16 سبتمبر 2018

شعاع نيوز/ خاص

 

تحقيق فريق شعاع نيوز

الزّواج هو عقد شرعيّ بين رجل وامرأة تحلّ له شرعاً، أساسه رضا الطّرفين؛ يهدفان عن طريقه إلى بناء الأسرة التي تُشكّل أساس كُلّ مُجتمع، ويجب أن يكون شرط هذا العقد الرِّضا المُتبادَل، من أجل تحديد الحقوق والمسؤوليّات على كلا الطّرفين، لذلك أكّدت مُعظم الاتّفاقيات الدوليّة ضرورةَ توفّر الوعي، والنّضج، والإرادة السّليمة لدى الطرفين، وأساس ذلك السنّ القانونيّ.

تعتبر ظاهرة زواج القاصرات و الزواج المبكر من الظواهر الاجتماعيّة الخطيرة، ولاسيما أنها باتت تقرع أجراس الخطر وباتت تنتشر باضطراد يوماً بعد آخر في معظم دول العالم، فأدت في كثير من الأحيان إلى العديد من الكوارث، والمشاكل الاجتماعيّة، والنفسيّة، وخصوصاً على القاصرات اللواتي يتزوجن في سن مبكرة.

 


فمن هن القاصرات؟
نص قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 بتاريخ 7-9-1953 على أن العمر المناسب للزواج هو (17سنة) للفتاة و(18 سنة) للفتى، إلا أنه سمح بزواج الفتاة في سن 13 عاماً والفتى في سن 15 عاماً إذا احتمل جسداهما الزواج وكانت لديهما نيّة حقيقية لبناء أسرة، وفق تقدير القاضي.

وحسب اتّفاقية حقوق الطّفل، فالطّفل هو كلّ من لا يتجاوز عمره ثمانية عشر عاماً، ولم يبلُغ سنّ الرُّشد، وقد أكّد الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان على الحقّ الكامل للرجل والمرأة بالزّواج وتأسيس أسرة، متى ما بلغا السنّ القانونّي.

فيما تعريف الزّواج المبكر من وجهة نظر القانون في الدّول التي تُصادق على اتّفاقيات حقوق المرأة والطفل، هو زواج الأطفال تحت سنّ 18 سنةً، لذا فإنّ الفقرة الثانية من المادة 16من اتّفاقية القضاء على جميع أشكال التّمييز ضدّ المرأة (سيداو) تنصّ على أنّ خطوبة الأطفال وزواجهم ليس لهما أيّ أثرٍ قانونيّ، كما يجب أن تتّخذ الدول الإجراءات التشريعيّة جميعها، لتحديد سنٍّ أدنى للزّواج، وتسجيله في سجلٍّ رسميّ، وخَرْقُ هذا البند يتمّ إذا كان أحد الزّوجين دون سِنّ الثامنة عشرة، ولم يكتمل نموّه الجسديّ، وبهذا يُعدّ زواجهما قانونيّاً، زواجَ أطفال.

وخلال فترة الحرب على سورية، راجت ظاهرة الزواج المبكر بين فتيات تراوحت أعمارهن بين 9 – 15 سنة، ولاسيما في بعض مناطق الأرياف والبادية السورية في وقت نلاحظ أن هذه الظاهرة كانت أقل بكثير في المدن الكبرى كحلب ودمشق وحمص.

تختلف طبيعة هذا الزواج بالاعتماد على العديد من العوامل الاجتماعيّة المؤثرة فيه. وتحرص كافة جمعيّات، ومنظمات حقوق الإنسان على التصدي لظاهرة زواج القاصرات، وتدعو إلى فرض العقوبات على كل شخص يزوّج ابنته القاصر، ويحرمها من أبسط حقوقها الإنسانية، كالحق في الحياة، والحق في التعليم، فتنص كافة القوانين الدولية على حماية حقوق الأطفال، وتوفير كافة الرعاية لهم، لضمان أن يعيشوا في بيئةٍ صحية وسليمة.

ولمعرفة نمو هذه الظاهرة كان لابد من الوقوف على أهم الأسباب التي تدفع الأهل لتزويج أبنائهم وبناتهن في سنين مبكرة من العمر وأهمها:
– الفقر:
يقول أبو محمد وهو والد لأربعة أطفال أنه وجد نفسه خلال فترة الحرب بلا عمل بعدما دمر الإرهاب الورشة التي كان يعمل فيه بريف حلب وتفاقم الوضع ليجد نفسه بلا مأوى بعد زحف الإرهاب نحو منطقته وأجباره على ترك منزله والتوجه إلى أحد مراكز الايواء التي وفرتها الحكومة السورية بدمشق.. “لم أعد أملك قوت أسرتي، جاءني أحد الأقرباء وطلب ابنتي ذات الخمسة عشر عاماً ودفع لي ثلاثة ملايين ليرة سورية كمهر لها، وقال أنت بحاجة لهذا المبلغ لتأمين احتياجات إخوتها.. لم أجد سبيلاً سوى تزويجها”.

أما أم عادل والتي فقدت زوجها وابنها في الحرب، اضطرت لجلب أسرتها إلى دمشق واستأجرت سكناً لها في منطقة جرمانا، لم يعد لديها مال تصرفه على بناتها الثلاث ولاسيما أنها جاءت كما تقول بالملابس التي عليها من دير الزور “كان معي نحو مئتي ألف ليرة كل ما كنت أملكه في عملي بالخياطة، الايجارات مرتفعة وتكاليف الحياة ارتفعت بشكل كبير، فاضطررت لتزويج خديجة (17) عاماً من شخص لديه معرض سيارات هنا وهو تعهد بالانفاق علينا وعلى أخواتها، وسجل لها منزلاً باسمها مع مليوني ليرة سورية كمهر لها.. الحمد لله أمورها جيدة رغم أنه يكبرها بنحو خمسة وعشرين عاماً”.

– العادات والتقاليد:
ربما تكون من أحد الأسباب الهامة والتي لعبت دوراً مؤثراً من قبل الحرب المفروضة على سورية، نتيجة ما توارثته بعض العائلات.
مريم أحد ضحايا هذا الزواج وهي اليوم أم لسبعة أبناء، أكبرهم أحمد الذي أنهى دراسته في الاقتصاد العام الماضي والتحق بخدمة العلم، تقول الأم (37) عاماً، “تزوجت بعمر 13 عاماً، كان والدي قد اتفق مع عمي على أنني لابن عمي.. كان الآباء يعدون ذويهم بتزويج بناتهن أو أبنائهن لبعضهم البعض بحجة ألا يدخل غريب إلى الأسرة.. لم أدرك عندما ارتديت بدلتي البيضاء ماكان ينتظرني..كنت سعيدة والناس تغني لي..لم أكمل دراستي فقد كان معيباً أن تذهب الفتاة في قريتنا للمدرسة مع باقي الصبية”.

 

– الجهل الفكري:
وهي ظاهرة لاتزال موجودة مع كل أسف رغم تطور العلم والعالم، إلا أن بعض الأسر بقيت غير مدركة للأخطار المحدقة بفتاة في عمر التسع أو عشر أو حتى خمسة عشر عاماً، وتتجلى أغلبها بالآثار النفسية والشعور بالاحباط بعد فترة من الزواج وذلك لدخولها عالماً مختلفاً عما حباها الله به فا هي أدركت طفولتها ولا تمكنت من التدرج في سني حياتها بشكل طبيعي، فيما تعتبر الناحية الصحية والطبية نقطة مهمة أخرى في زواج القاصرات لما تتركه من آثار سلبية على حياة الفتاة وخاصة في فترات الحمل.

وتلعب الآثار الاجتماعيّة دوراً هاماً في التأثير على الفتاة القاصر ولاسيما أنها قد تفقدها هويتها الاجتماعيّة، وتشعرها بأنها لا تملك شخصيةً خاصةً بها، وذلك لشعورها بالحرمان من أبسط حقوقها في الحياة، وفي الحصول على التعليم المناسب، كما أنها لا تمتلك الثقافة الكافية للتعامل مع الأطفال؛ لأنها ما زالت في مرحلة الطفولة، لذلك لا تكون مستعدةً لتقبل التعامل مع الأطفال، وهي في مرحلة عمريّة غير مناسبة.

فيما يكرس الدور النمطيّ للمرأة، وهو أنّ عملها الرئيسيّ يجب أن يكون تكوين الأسرة وتربية الأطفال، وأنّها يجب أن تتولّى هذا الدّور مُبكرًا لضمان نجاحه، وفق معايير يضعها المُجتمع، وغالباً لا يكون للفتاة رأيٌ فيه. الوضع الاقتصادي السيِء للأهل، والذي قد يعدّه كثيرون مُبرّرًا كافياً لتزويج الفتيات، إذ يتعرّض الأهل إلى إغراءات ماليّة من جهة الزّوج، فيعدّ البعض هذا الزّواج صفقةً ناجحةً.

أما الذهنيّة التقليديّة التي ترسم معايير مُحدّدةً للفتاة، وتُعزّز فكرة الزّواج المُبكر، وحصر الزّواج على صغيرات السنّ، واعتباره الإنجاز الأهمّ لأيّة فتاة فهو يحاول تكريس الصّورة السّائدة في المجتمع عن النساء اللواتي يتأخّرن في الزّواج، وقلّة حظوظهنّ، ممّا يُساهم في زيادة خوف الأهل، ورغبتهم بتزويج الفتيات في سنٍّ مُبكرة، تفادياً لتأخّرهنّ في الزّواج.

وساهم وجود بعض التيّارات الدينيّة والمُجتمعات التي تُشجّع الزّواج المُبكر، بناءً على تعاليم دينيّة، أو أعراف وتقاليد مُعيّنة على انتشار مفاهيم، مثل: السُّترة، والعنوسة، والشّرف، وإلصاقها بالفتاة، واعتبار الزّواج هو الإطار الحامي لشرف العائلة، وضمان سلامة الفتاة من أيّ انحرافٍ أخلاقيّ قد يُسيء إلى سُمعة العائلة، ووضعيّتها الاجتماعيّة.

ما هي الآثار السلبية المترتبة على الزواج المبكر؟
هناك العديد من السلبيّات للزّواج المُبكر، ولا يُمكن تلخيصها في مجموعة نقاطٍ، لعل أبرزها:


– من الناحية الصحية:
– اضطرابات الدورة الشهرية و تأخر الحمل.
– ازدياد فقر الدم و حدوث القيء المستمر
– زيادة الإجهاض حيث تزداد معدلات الإجهاض والولادات المبكرة وذلك إما لخلل في الهرمونات الأنثوية وإما لعدم تأقلم الرحم على عملية حدوث الحمل، مما يؤدي إلى حدوث انقباضات رحمية متكررة تؤدي إلى حدوث نزيف مهبلي والولادة المبكرة.
– زيادة نسبة الإصابة بمرض هشاشة العظام في سن مبكرة نتيجة نقص الكالسيوم الذي يتسبب به الحمل.
– زيادة العمليات القيصرية نتيجة تعسر الولادات في العمر المبكر.
– ارتفاع نسبة الوفيات نتيجة المضاعفات المختلفة مع الحمل.
– عدم اكتمال النضج الجسدي للفتاة مما يجعلها غير مؤهلة صحيا للحمل والولادة. و يؤدي إلى تمزق في الأعضاء الجنسية والأغشية المحيطة بها، بالإضافة إلى وجود نزيف قد يكون حاداً في تلك الأعضاء.
– من الناحية الاجتماعية:
– تعرض الفتاة إلى اضطرابات في العلاقات الجنسية بين الزوجين ناتج عن عدم إدراك الطفلة لطبيعة العلاقـة ممـا ينـتج عنـه عـدم نجـاح العلاقـة وصـعوبتها، قلـق واضـطرابات عـدم التكيـف نتيجـة للمشـكلات الزوجيـة وعـدم تفهـم الزوجـة مـا يعنيـه الـزواج ومسـؤولية الأسـرة والسـكن والمودة.
– تعرض الفتاة إلى الحرمان العاطفي من حنان الوالـدين، والحرمـان مـن حقهـا في اختيـار الـزوج، والحرمـان من عيش مرحلة الطفولة التي إن مرت بسلام كبرت الطفلة لتصبح إنسانة سوية، لـذا فـإن حرمانها من الاستمتاع بهذه السن يؤدي عند تعرضها لضـغوط إلى ارتـداد لهـذه المرحلـة بصــورة أمــراض نفســية مثــل الهســتيريا و الفصام و الاكتئاب و اضطرابات في الشخصية. تشعر الزوجة القاصر أنها عبء ثقيل على أسرتها، وأنها مكروهة من قبلهم نظراً لتزويجها في ذلك العمر الصغير، وتشعر الطفلة أنها مجرد سلعة تم بيعها والتخلص منها، ويسهم العامل الاقتصادي بشكل كبير في زواج القاصرات.
– تصبح الزوجة القاصر مصابة بالعبودية والاهانة من الزوج وأهل الزوج نظراً لصغر سنها، خاصة بحصول الاعتداءات الجسدية واللفظية عليها.

 


– كما أن زواج القاصرات من رجال يكبرونهن سناً، ما هو إلا قتل للطفولة البريئة، وتكليف القاصرة بما لا يلائم تكوينها الجسمي والعقلي لتحمل مسؤولية الحمل والولادة والتربية والقيام بمهام عش الزوجية على أكمل وجه.
– يؤثر زواج القاصرات بالسلب على الفتاة ويحرمها من طفولتها ومن الرعاية الأسرية والتعليم مما يجعلها تتحمل مسؤولية كبيرة علي تفكيرها وعقلها الطفولي و هذا قد يسبب لها القلق و الخوف من المستقبل و من عبئ هذه المسؤولية.

ما المطلوب؟
يجب أن يكون هناك أسس وتدابير واضحةٌ ومُتَّفقٌ عليها بين الدّول، لضمان الحدّ من حالات الزّواج المُبكر، والتأكيد على حصول الفتاة على كامل حقوقها كطفلةٍ، واتّخاذ إجراءاتٍ ضدّ الانتهاكات التي تحدُث في حقّها عن طريق ما يأتي:
– تحديد أهداف وخطط، ورسم استراتيجيّات لمعالجة حقوق الأطفال، وفقًاً لاتّفاقية حقوق الطفل، والقضاء على المواقف والممارسات الثقافيّة السلبيّة ضدّ الفتيات.
– ايجاد دعم اجتماعيٍّ، لإنفاذ القوانين الخاصّة بالحدّ الأدنى للزّواج، ولاسيّما عن طريق توفير فُرص التعليم للفتيات.
– إيلاء اهتمام جدّي بحقوق الفتيات، واتّخاذ الإجراءات التي تستلزم حمايتهنّ من الاستغلال بأنواعه المُختلفة.
– تحقيق المُساواة بين الجنسين في سنّ مبكر، داخل الأسرة والمجتمع. كفالة مُشاركة الفتيات دون تمييز في الحياة الاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة.

 


– سنّ قوانين تكفل الحدّ من الزّواج المُبكر، ورفع الحدّ الأدنى لسنّ الزّواج إذا لزم الأمر، وإنفاذ هذه القوانين.
– إزالة العواقب جميعها التي تعترض تمكين الفتيات، وتشجيعهنّ على تطوير إمكانيّاتهنّ ومهاراتهنّ واعادة النّظر في الوسائل التي تكفل للنّساء المتزوّجات مواصلة تعليمهنّ.
– ايجاد منظمات ومؤسسات للحد من الفقر وذلك عن طريق مساعدة الأسر الفقيرة بمد يد العون لها عن طريق مشاريع صغيرة وتشجيعها على العمل بدل الاكتفاء ببيع البعض لفتياتهن.
ربما لن يكون الأمر باليسير ولا المشجع ولاسيما مع انتشار الجهل وترجيح كفة العادات والتقاليد واتساع رقعة الفقر إلا أن ذلك لايمنع من التوعية ومساعدة الأسر الفقيرة والفتيات وحمايتهن من ظاهرة باتت تنهش بالمجتمعات يوماً بعد آخر وخاصة مع ترجيح بعض الجاليات العربية لفكرة الزواج بقاصرات سوريات وهو أمر بات يروج يوماً بعد آخر ولا بد من وضع حل وحد له يوقف هذه الكارثة التي تعصف بالمجتمع ..فهلا استفاق المعنيون قبل تجديد المكاتب والزج بأنفسهم أمام الكاميرات للتحدث عن انجازات وهمية؟!

 

#المصادر:

– اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)

– التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني.

– موقع الأمم المتحدة

– وكالات

– شعاع نيوز + استطلاع


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

  • بحث

  • آخر الأخبار