عاجل
أخر الأخبار
رغم سحب قواتها، الولايات المتحدة ستحتفظ بقاعدة عسكرية لها في سورية
الأحد 17 فبراير 2019

شعاع نيوز/ المصدر: أنتي وور (AntiWar)

بقلم:نعمان صادق (Nauman Sadiq) ترجمة: لينا جبور

قدّم وزير الخارجية مايك بومبيو رسائل متناقضة في الخطاب الذي ألقاه في القاهرة في 10 كانون الثاني/يناير. من ناحية، قال: إن واشنطن ستسحب قوّاتها من سورية، تماشياً، مع إعلان دونالد ترامب في 19 كانون الأول/ديسمبر، ومن ناحية أخرى، أكد أنَّ الولايات المتحدة ستواصل محاربة “الدولة الإسلامية”، وستعمل على احتواء نفوذ إيران في منطقة الشرق الأوسط.
من الواضح أنه لا يمكن تحقيق كُلٍّ من هذه الأهداف المتباينة، ما لم تخطط واشنطن للحفاظ على نوع من الوجود العسكريّ طويل الأمد في سورية. في تقريرٍ حصريٍّ لمراسل الشرق الأوسط في تركيا، راغب سويو، في 10 كانون الثاني/يناير، ذكر أن الوفد الأمريكي قدم للمسؤولين الأتراك وثيقة تنطوي على خمس نقاط، وذلك في غضون زيارة جون بولتون مستشار الأمن القومي الأخيرة إلى تركيا.
هذا، وبحسب التقرير، حضر الاجتماع الذي استغرق ساعتين في القصر الرئاسي في أنقرة مع بولتون الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة، وجيمس جيفري، المبعوث الأمريكيّ الخاص إلى التحالف المناهض لـ “داعش”.
وقد أطلع أحد كبار المسؤولين في إدارة ترامب على الأهداف التي تم تحديدها في الاجتماع، وتحدث إلى المراسل قائلاً: «وكما قال الرئيس، فإن الولايات المتحدة ستحتفظ بكل ما يلزم من الإمكانيات للعمليات اللازمة لمنع عودة ظهور “داعش”».
ذلك، ليقوم الصحافيّ بعدها بإعلان صادم، كان مخفياً في عمق التقرير، وأشار إليه بالقول: «إن الولايات المتحدة لن تنسحب من قاعدة التنف في هذا الوقت»، كما قال المسؤول. ومع ذلك، فإن كشف ذلك لم يكن مفاجأة كبرى، فقد أشار جون بولتون حينما زار القدس في 6 كانون الثاني/يناير إلى أن الولايات المتحدة ستحافظ على وجود عسكريٍّ أمريكيٍّ طويل الأمد في قاعدة التنف.
تقع قاعدة التنف العسكرية في موقع استراتيجي في جنوب شرق سورية على الحدود بين سورية والعراق والأردن، وهي على طريق دمشق-بغداد المهم جداً، والذي يعد بمثابة طريق إمدادٍ لدمشق. احتلت واشنطن بشكل غير قانوني منطقة مساحتها 55 كلم حول التنف منذ عام 2016، وقام المئات من مشاة البحرية الأمريكية بتدريب عدة مجموعات مسلحة سوريّة، بما في ذلك “مغاوير الثورة”، هناك.
وهكذا، فإنّه بالنسبة لجميع الأغراض العمليّة، يبدو أن انسحاب القوات الأمريكية من سورية سوف يقتصر على منبج و”كوباني” (عين العرب) في شمال سورية والقامشلي والحسكة في شمال شرق سورية من أجل معالجة مخاوف تركيا الحليفة لحلف شمال الأطلسيّ في تركيا والمتعلقة بالقوات الكرديّة التي تنظر إليها أنقرة “كإرهابية” ومصير القوات الأمريكية التي تعمل إلى جانب الأكراد في دير الزور في شرق سورية وقاعدة التنف العسكرية على وجه الخصوص، ماتزال جميعها موضع شك بالنسبة لتركيا.
تشمل المناطق التي يديرها الأكراد حاليّاً في سورية الأغلبية الكردية، ذلك في القامشلي والحسكة في شمال شرق سورية على طول الحدود مع العراق، والبلدات ذات الأغلبية العربية في منبج إلى الغرب من نهر الفرات في شمال سورية و”كوباني” إلى شرق نهر الفرات على طول الحدود التركية.
وتنازعت الحكومة السورية و”قوات سورية الديمقراطية” التي يقودها الأكراد على محافظة دير الزور الغنية بالنفط والغاز الطبيعيّ في شرق سورية، التي ماتزال تحتفظ بجيوب قليلة من بقايا متشدّدي “داعش” على طول ضفتي نهر الفرات الغربية والشرقية.
عسكريّاً، لن تتسامح القوات المسلحة التركية مع وجود الأكراد السوريين من حزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب الكردية –الذين يَعُدّهم الأتراك “إرهابيين” حلفاء لجماعة حزب العمال الكردستاني الانفصالي في تركيا– في منطقة شرق الفرات في منبج و”كوباني”، تماشياً مع السياسة التركية الراسخة في حرمان الأكراد من أي أرض في المناطق ذات الأغلبية العربيّة في شمال سورية على طول الحدود الجنوبية لتركيا.
هذا، وفيما يتعلق بإجلاء القوات الأمريكية من المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سورية، من الواضح أنه تم التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وأنقرة. وفقاً لشروط الاتفاق، أطلقت إدارة أردوغان سراح القس الأمريكي أندرو برونسون في 12 تشرين الأول/أكتوبر، والذي طالبت به إدارة ترامب منذ مدّة طويلة، وقررت أيضاً عدم الكشف عن التسجيلات الصوتية المتعلقة بقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول في 2 تشرين الأول/أكتوبر، والتي يمكن أن تُظهر تورط حليف أمريكيٍّ آخر هو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في عملية الاغتيال.
في المقابل، امتثلت إدارة ترامب لمطلب أردوغان منذ مدّة طويلة لإجلاء القوات الأمريكية من المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سورية. ومن المطالب الأخرى التي يجب أن يكون أردوغان قد طلبها من واشنطن هي الضغط على السعودية لرفع الحصار السعوديّ-الإماراتيّ الذي فرضته في حزيران/يونيو 2017 على قطر، التي تتماشى أيديولوجياً مع حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان، إذ إنَّ كلتيهما تتبع إيديولوجية الإخوان المسلمين، مقابل عدم القيام ببث التسجيلات الصوتية لقتل جمال خاشقجي علناً.
وتجدر الإشارة إلى أنه بعد اغتيال خاشقجي والغضب الدوليّ الذي تولد ضد العائلة السعودية المالكة، تحاول المملكة العربية السعودية بالفعل تهدئة قطر، فقامت بدعوة الأمير القطريّ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لحضور قمة مجلس التعاون الخليجيّ في الرياض في 10 كانون الأول/ديسمبر، رغم تجاهل الدوحة بادرة حسن النوايا هذه، فقامت بإرسال مسؤول من مستوى أخفض إلى الاجتماع.
إنَّ السبب وراء تراجع إدارة ترامب لإرضاء أنقرة هو أنَّ الرئيس التركي أردوغان ابتعد عن محور واشنطن واقترب من دائرة نفوذ الكرملين. تتعاون تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، مع موسكو في سورية ضد مصالح واشنطن على مدى العامين الماضيين، كما طلبت شراء نظام الصواريخ S-400 الروسي الصنع، ولكن تظل هذه الصفقة غير أكيدة حيث تم طرحها بعد إعلان واشنطن مؤخراً بيع أنظمة صواريخ باتريوت بقيمة 3.5 مليارات دولار إلى أنقرة.
ولفهم أهمية العلاقة بين واشنطن وأنقرة، تجدر الإشارة إلى أنَّ الولايات المتحدة كانت تشن هجمات جوية ضد أهداف في سورية من قاعدة إنجرليك الجوية وتم نشر نحو خمسين قنبلة أمريكية من طراز B-61 هناك.
منذ محاولة الانقلاب التي تم إحباطها في تموز/يوليو 2016 ضد إدارته، قام أردوغان بارتكاب بعض الأعمال المتهورة في السنوات القليلة الماضية:
أولاً، أسقط سلاح الجو التركيّ طائرة سوخوي روسية على الحدود بين سورية وتركيا في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، والتي جعلت القوات المسلحة التركية والروسية على شفير مواجهة على أعلى مستوى في سورية.
ثانياً، اغتيل السفير الروسي في تركيا، أندريه كارلوف، في معرض فنيٍّ في أنقرة مساء يوم 19 كانون الأول/ديسمبر 2016 من قبل ضابط شرطة تركيّ خارج أوقات العمل، والذي كان يشتبه في أنه أصوليّ إسلاميّ.
ثالثاً، أقام الجيش التركيّ عملية “درع الفرات” التي استمرت سبعة أشهر في شمال سورية فوراً بعد محاولة الانقلاب في المدّة الواقعة من آب/أغسطس 2016 إلى آذار/مارس 2017 والتي وضعت الجيش التركي ووكلاءه السوريين المتنافسين في مواجهة “قوات سوريا الديمقراطية” بقيادتها الكردية وداعميها الأمريكيين.
رابعاً، قامت أنقرة بغزو إدلب في شمال غرب سورية في تشرين الأول/أكتوبر 2017 بذريعة فرض منطقة خفض تصعيد بين المسلحين السوريين والحكومة السورية، رغم احتجاج رسميٍّ من دمشق بأن القوات المسلحة التركية تنتهك سيادة سورية ووحدة أراضيها.
وأخيراً، شنت تركيا عملية “غصن الزيتون” في منطقة عفرين التي تقع في شمال غرب سورية من كانون الثاني/يناير إلى آذار/مارس 2018. وبعد الاستيلاء على عفرين في آذار/مارس من العام الماضي، اتجهت أعينُ القوات المسلحة التركية ووكلائها الجهاديين السوريين إلى منبج و”كوباني” (عين العرب).


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

  • بحث

  • آخر الأخبار