عاجل
أخر الأخبار
دعونا نتفلسف!!
الأربعاء 10 أكتوبر 2018

شعاع نيوز/ وكالة الصحافة العربية

 

 

“كنت أسعى لإطالة عمر الفلسفة، لكن كلمتين أصبحتا قريبتين من الناس، وهما العلم والديمقراطية، أسدلتا الستار على مهنة الفيلسوف”.

هكذا أجاب الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي جون ديوي رداً على سؤال حول مصير الفلسفة، فقد كان ديوي يعتقد أن الفلسفة ماتت. لكن الكاتب العراقي علي حسين يخالفه الرأي، وبعد مرور سبعين عاماً على مقولة ديوي يذكرنا بأهمية الفلسفة في حياتنا عبر فصول كتابه “دعونا نتفلسف” الصادر في 2018، عن دار أثر السعودية، وهو يرى أن الفلسفة في جوهرها استجابة ذهنية، مثلما الشعر استجابة وجدانية، وهي تساعدنا على أن نتخذ موقفاً نقدياً من الحياة والمجتمع، لذلك وضع لكتابه عنواناً فرعياً تفسيرياً هو “كيف إستطاع 25 مفكراً تغيير حياتنا؟”.
وجاء اختياره لهم مؤكداً على ديمومة الفلسفة وليس موتها، كما أوضح تناوله لهم كيف استطاعوا أن يغيروا تاريخ البشرية معتمدين على سلطة التفكير والمعرفة رغم أنهم لم يكونوا على وفاق لا مع السلطة الحاكمة ولا مع المجتمع.

صانع الحجج
يبدأ الكتاب بدعوة طريفة “دعونا نتسلى بالفلسفة”، وسرعان ما يتضح أنها دعوة للاشتباك مع كارهي الفلسفة رافضيها فيتساءل عن أول من تفلسف ويجيب “لم يحسم التاريخ أبداً منشئ الفلسفة، قد يكون أحد فقراء الصين، أو كاهناً في معبد من معابد بابل، أو وزيرا في بلاط الفرعون إخناتون، إلا أن سجلات بداية الفلسفة تخبرنا أن رجلا نحيلا كان يهوى صيد السمك اسمه هيراقليطس، كانت الصورة الرائجة عنه بين الناس أنه شارد الذهن، لكنه استحق لقب “صانع الحجج” عن جدارة.

وعند حديثه عنه يقول أرسطو أنه أسس أول ضروب الفلسفة، ولم يترك لنا هيراقليطس سوى كتاب اسمه “الشذرات” عبارة عن حِكم مكتوبة بلغة أقرب الى الشعر، يقول فيها عن “التغيير الذي لا يلاحظه الناس: إنك لا تستطيع أبداً أن تنزل في النهر نفسه مرتين، لأن مياهًا جديدة تتدفق عليك بلا انقطاع”، وهكذا تتوالى الحكايات عن فلاسفة اختارهم ممن يمكن وصفهم بالمتمردين، فلم يرضوا بالسائد وإنما طرحوا الاسئلة واجترأوا على المألوف، ويلاحظ أن علي حسين اختار فلاسفة من الغرب ليتحدث عنهم، وكأنه يرى أن الشرق خلا من الفلاسفة أو أن فلاسفة الشرق غردوا دائما داخل السرب. فقصر رحلته مع الفلسفة على نتاجات العقل الغربي متنقلا بين قديمها وحديثها، متبعا نفس منهجه في كتابه السابق “في صحبة الكتب”، فقد اعتمد على المزج بين الحياة الشخصية للمفكر وبين إنتاجه، مبينا أثر حياة الإنسان الاجتماعية على تحديد مصيره وعلى إنتاجه الأدبي والفكري، كاشفا بذلك عن أسرار الإبداع سواء في مجال الأدب في الكتاب السابق أو الفلسفة في الكتاب الثاني.

صانع المشاكل
في عام 1945، منح الرئيس الفرنسي ديجول وسام جوقة الشرف لجان بول سارتر، لكنه رفض تسلمه “لأن مثل هذه التكريمات بالنسبة له تقييد لحريته لكونها تجعل من الكاتب تابعاً”. وكان سارتر قد أعلن رفضه للوسام في رسالة جاء فيها: “عند اختيار أي شيء على الإطلاق، فإنني قبل أي شيء اختار الحرية”.

كان سارتر قد نشر قبل أشهر كتابه “الكينونة والعدم”، وكانت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت هبوب رياح الحرية على العالم الغربي، الحرية الفكرية، حرية الوجود، حرية المرأة.

في نفس الوقت نشر جابريل مارسيل كتابه “يوميات ميتافيزيقية”، مطالبا فيه بعودة الفلسفة الوجودية إلى أصولها الأولى وإلى صاحبها سيرون كيركجورد الذي كان يخشى أن يُنظر إليه بعد موته على أنه فيلسوف، فيقول في كتابه “خوف ورعدة”: “كاتب هذه السطور ليس فيلسوفاً بل لا يدري إن كان هناك ما يسمى بالمذهب الفلسفي أم لا، ولا يدري إن كان قد اكتمل، يكفيه ما لديه فعلاً في رأسه الهزيلة من تفكير”، ولم يكن يعيه من الفلسفة سوى الرد على هيغل الذي أراد أن يفسر كل شيء تفسيراً عقلياً خالصاً، مع أن حياة الإنسان مليئة بألوان كثيرة من الغموض والألغاز يعجز العقل البشري عن تفسيرها، لأنها تحتاج إلى منهج آخر يختلف عن منهج هيغل.

ومن هنا كان كيركجورد يريد أن يحلّ الوجود الإنساني بكلّ ما يحيط به من قلق وصراع وتوتر ويأس وإيمان وخطيئة ومعاناة محل الوجود العقلي الذي حوّل الواقع الإنساني إلى مجموعة هائلة من التصورات العقلية.

وقد التقط سارتر تلك العبارة هذه ليقدم محاضرته الأولى عن الوجودية بعنوان “الوجودية مذهب إنساني”، وقد أكد كيركجورد على أن الفلسفة لا يجب أن تكون مجردة، بل على العكس من ذلك يجب أن ترتكز على تجربة شخصية، وعلى موقف تاريخي يجد الفرد فيه نفسه، ومن هنا كانت الفلسفة عنده بمثابة نقطة ارتكاز للحياة فردية، وليست وسيلة للتأمل العقلي المجرد، وكانت السخرية هي الأداة التي من خلالها نستطيع أن ندخل في فحص ذاتي دون غطرسة وتكبر “فالشك للعلم، مثل السخرية للحياة الشخصية “.

دعوني أتفلسف
قال برتراند راسل “عندما أشرع في كتابة موضوع فلسفي فإنني أعود إلى الروايات الممتعة، فقمة آمالي أن أكتب أشياء تشبهها، وألا أكون غامضاً، وأن أشيع النور والمعرفة والمتعة في كل سطر أكتبه”، يستعير على حسين في خاتمة كتابه تلك المقولة قبل أن يثبت قائمة تضم مائة كتاب في الفلسفة، يمكن اعتبارها وليمة فكرية يدعو إليها القارىء، ويضيف بإنه إن تمكن من إعادة قراءة تلك الكتب سيمكنه وقتها أن يهتف في الناس “دعوني أتفلسف”، ويلاحظ أن القائمة ذكرت ما خلا منه كتابه، فلم تقتصر على الفلسفة الغربية بل ضمت كتباً عربية – قليلة – لابن رشد وابن سينا والفارابي والكندي، وكتباً أخرى حديثة منها نظرية المعرفة لزكي نجيب محمود ومدرسة الحكمة لعبدالغفار مكاوي، ورغم قلة عدد الكتب العربية، إلا أنها تسهم مع بقية ما ضمته القائمة في نشر المعرفة وإعلاء شأن العقل وإرساء قيم الحق والعدالة.


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

  • بحث

  • آخر الأخبار