عاجل
أخر الأخبار
دراسة خاصة : لأجل أمان المستقبل… الجزء الأول
الأحد 07 أكتوبر 2018

شعاع نيوز/ خاص

 

تحقيق: علي عمران

مبتدأ الحياة :
في الفضاء الشاسع ومن بين آلاف الأجرام السماوية يظهر كوكب براق جميل يكسوه وشاح أمواجٍ تزركشه قشرة ترابية صلبة سكنها بنو البشر منذ الــقـِـدَم فكانت الكهوف مأواهم وأحوالهم رهن الظروف المناخية وكوارث الطبيعة، بائسون غايتهم تأمين مأكلهم ومشربهم من صيد الحيوانات، تحرقهم نار الجهل والفقر والجوع إلى أن أشرقت شمس يوم جديد، ظهرت من وحي السماء معجزة اسمها المعرفة لترى حال المجتمعات البشرية المتناثرة على الكوكب، فقررت النهوض بالبشر وتعليمهم من أجل استمرار الحياة، ونتيجة لذلك توصل عقل الانسان إلى عجائب الاكتشافات والاختراعات، لا سيما إنسان شرق المتوسط الذي أنتج قدود حروف وثــّـقت عظيم معارفٍ نهضت بالحضارة الانسانية العظيمة، فالجهل تلاشى بالعلم والفقر بالعمل والجوع بموفور الزراعة والخير والأمراض بعلم طب ٍ ودواء ٍ من وحي لمسة المسيح (ع) ومن الخراب والركام بدأت الحركة العمرانية كنواة للحضارة المدنية بأبهى صورها .

مسيرة التعليم في سطور:
عـَـرف الإنسان التعليم منذ عصور ما قبل التاريخ, حيث كان البالغون يقومون بتدريب الأطفال واليافعين على المهارات والحـِرف المختلفة، إضافة إلى اعتماد القدماء في تعليم أبنائهم على حلقات الكـتــّاب في الجوامع، إذ كان شيخ الحارة أو المنطقة يعلّم الأولاد تلاوة القرآن الكريم وحفظ آياته بطريقة شفهية إلى جانب المبادئ الأساسية لعلم الحساب، كما كان للحكواتي دور لافت في التعليم من خلال سرده للبالغين قصص وروايات أسطورية إلى جانب سـيـَـر مقتبسة من حياة القدماء كصلاح الدين، عنترة والزير والظاهر بيبرس وغيرهم بهدف الاستفادة من تجاربهم التراكمية، ثم اتجه الإنسان إلى التعليم الرسمي، حيث كان أول ظهور للمدارس في مصر زمن الفراعنة والتي شكلت نواة تفوقهم في مجالات الطب وفنون الهندسة المعمارية أما في اليونان فقد قام الفيلسوف الاغريقي أفلاطون بتأسيس مدرسته في أثينا والتي استمرت لقرون خرّجت في غضونها عظماء الفلاسفة الاغريق الذين تصدرهم أرسطو، بينما وضع الفيلسوف الصيني كونفوشيوس في بلاده مذهباً في التعليم انطلق من مسقط رأسه، وسرعان ما انتشر عابراً الحدود إلى مناطق الشرق الأقصى في اليابان والكوريتين واندونيسيا وماليزيا وسنغافورا وفيتنام وصولا ً إلى سائر الدول القابعة على أمواج التقاء المحيطين الهندي والهادئ. أما في العصور الحديثة فقد أصبح التعليم لا غنى عنه لأي فرد لمواكبة حركة التطوّر والمتغيرات المختلفة على اعتباره بوصلة الإنسان للنفاذ إلى عميق العلوم واكتشاف نفائس أسرار الكون بكل مكوناته.

خلال السبع العجاف – أزمة فكر :
الكاتب السوري الراحل محمد الماغوط كتب خلال سنوات القرن الماضي مسرحية شقائق النعمان، أقتبسُ مما جاء فيها :
“الاستعمار ما عاد عسكر ودبابات، لو عسكر ودبابات الاستعمار ما عاد يخوف !!”.

“بدي اربط أحلام ملايين الشهداء بحبل من شقائق النعمان واعمل منها أشرعة وصواريخ للسفينة اللي عم تغرق، لأنو إذا غرقت السفينة رح نغرق كلنا سوا، ديروا بالكن والله ما حدا رح ينفد، أوعكن تفتكروا في قريب وبعيد، كلنا بنظر برا نـَـوَر وجمال وخيال”.

“يا أصمعي التاريخ انكتب يا ابني والحاضر هلق عم ينكتب بس الحمد لله المستقبل ما زال صفحة بيضا، بدنا نتكاتف كلنا ونكتبو مع بعض”.

تعليق : بين سطور الحوار المسرحي ما يوحي بأن الاستعمار العسكري بات نمطاً  تقليدياً أمام النمط الجديد المتمثل بالاستعمار الخفي الفكري واستحضر على سبيل المثال لا الحصر , مخترع واتساب اليهودي (جان كوم) في حواره على إحدى المحطات الاسرائيلية ما يلي :

المحاور : ” سيد جان لماذا جعلتَ خدمة واتساب عند العرب مجانية وأنت تعلم أنهم العدو الأخطر لإسرائيل ؟”.

جان كوم أجاب : “وهل يأخذ الراعي ثمناً من قطيع النعاج التي يطعمها ؟ نحن في شركة واتساب سياستنا كذلك حيث زركشنا لهم هذا التطبيق بزينة وهمية ليدخل كل بيت دون إذن فيأخذ من وقتهم الكثير وبالتالي سيدمر صغارهم قبل شبابهم في المستقبل “.

هذا ما قاله جان كوم وهو مجرد مهندس أوجد تطبيقاً  بسيطاً مثل واتساب، فماذا عن السموم الخفية الكامنة في مواقع التواصل الاجتماعي؟ ثم ماذا عن حملات الغزو الفكري الممنهجة التي يشنها قوم التلمود على الحضارة الإنسانية؟ ببساطة دعني أترك لك حرية التماس الحقيقة يا من تجالس سطوري، أما على الضفة المقابلة من الحوار المسرحي أثبت الكاتب أن الشهداء أساس صمود بلادي تلك السفينة العتيدة فكيف سنرد الوفاء لهم ولذويهم ثم كيف سنُعد أنفسنا للمستقبل ليكون آمنا ً من خفايا ومجاهيل مؤلمة؟ أما آخر الاقتباسات يوحي بإعادة النظر في المستقبل حيث كلنا نسأل عن ما تحمله قادمات الأيام؟ وكيف سنكتب التاريخ؟ فتأتي وصية الشهداء بالجواب:

” نكتب التاريخ كل منا من موقعه، الفلاح من أرضه والعامل من هدير الانتاج في المعامل والمصانع و الجندي من سلاحه والعلماء من عقولهم وصنيعهم لأجل ضمان مستقبل آمن تصمد فيه الأجيال القادمة أمام الحروب المستقبلية المحتملة خصوصاً أن لكل رئيس أمريكي جديد حربه وفقاً لاستراتيجية اخضاع العالم للبيت الأبيض الذي سيحتضن أبد الدهر ولوث مخططاتٍ راسخةٍ بشرورها رسوخ حقد التلمود على القيم الإنسانية لذا علينا النهوض من جديد لأجل غد أكثر أمانا فصراع الحق والباطل لم ينته ِ بعد !..

أزمة إدارة ولكن:
ثمة مفهوم سائد متعلق بأزمة الإدارة وعدم تقدير المواهب والعقول حيث يدعي البعض في بلادي، ولكن ألا يمكننا أن نعتبر أن الأمريكيين أحفاد الهنود الحمر والأوربيون أحفاد العصور المظلمة قد قتلوا مواهبنا قتلا ً ممنهجاً ؟، فبادئ الأمر حضّروا مقبرة ً أبدية للحضارة العربية بعد سرقة موروثنا العلمي ثم في أيامنا هذه قاموا بإعداد غزو فكري خبيث يوئد براءة الطفولة ويلغم العقول الشابة الناشئة بسموم الأفكار حتى وصلنا إلى زمان تتحكم فيه شياطين الغزو الفكري بمصير أبناء بلادي عبر إجبارهم اللجوء إلى فرنسا وبريطانيا وألمانيا علماً أن حكومات الدول المذكورة تنتهج الاحتلال في سياساتها المحكومة بغرائزها الاستعمارية وتصدير الأزمات لمختلف دول العالم إذ قاموا بنشر الحرب والدمار على بر سورية فما كان أمام الشباب إلا البحر وركوب الأمواج على متن قوارب خشبية تعيسة تفتقد لأدنى درجات الأمان وهنا أستحضر ما قالته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فيما يخص قضية اللجوء في بلادي :
” إن لم نستفد من أولادكم عودوا إلى أوطانكم ,فنحن نشتريكم بثمن بخس ”
فلماذا أضحى الشباب السوري فريسة للجوء، يتحكم الأعداء بمصيرهم؟ ربما يقول قائل ” تفادياً للحرب ومآسيها” ولكن ليس من الذكاء مغادرة البلاد في الأزمات فعبور الحدود أفضل عن طريق السفارات وليس كلاجئ هذا أولاً أما ثانياً لو أن الأقدمين فكروا بذات طريقتنا لما استمرت الحياة في بلادي لغاية هذه اللحظة، آلام وأعذار جيلنا من الشباب لا ريب فيها فالفساد العام وويلات الحرب كفيلان بحجب الشمس عن أي مجتمع ولكن آلام الغربة واللجوء وقت الأزمات أشد فتكاً وألماً على المدى البعيد لأنه أشبه بعلاج الأخطاء بأخطاء أكبر منها، فمن يغادر أرضه في الحرب كمن تخلى عن سفينة النجاة في الطوفان أما على الضفة المقابلة فإن المجتمعات الأخرى ليست سليلة المدينة الفاضلة حيث الفساد لديهم تعدى القطاعات الادارية ليصل إلى الجوانب الاخلاقية والفكرية والمالية والاجتماعية لأن الفساد بحد ذاته ينطلق من نفس الانسان وغاياته وبالتالي فإنه متغلغل في دهاليز المجتمعات حول العالم، فإذا وجد ذوي الكفاءات في الخارج ما يلبي حاجاتهم من دعم مالي ولوجستي فماذا ستكون ضريبة ذلك ؟ ببساطة يمكننا العودة إلى التاريخ عندما استقطبت الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية الكفاءات الألمانية المناهضة للنازية ضمن عملية سميت (مشبك الورق) فبدأت العمل تحت المظلة الأمريكية ونتيجة المزج بين عقول البيت الأبيض وغاياته مع العقول المستوردة كانت الضحية هيروشيما وناغازاكي !!! إذ أن غياب الأخلاق يؤدي إلى بروز سطوة العلم وجبروته المدمر هذا من جانب ومن جانب آخر إذا اشتكى الآخرون مراراً من الفساد الذي يفرز عقبات النمو وأزمات الإدارة في بلادي فمن الأفضل تجاوز مفهوم الفساد في البيوت أولاً، أي الحد منه في الأسرة الواحدة، حيث البطالة باتت ثقافة والتقليد الأعمى للأفكار السطحية العابرة للقارات ثقافة وبما أن المجتمع رافض لهذا المفهوم الهدام فلماذا يساعد على انتشاره بوقوفه موقف المتفرج أمام المتغيرات المختلفة من حوله؟ ببساطة يمكن وأد حالة الفساد بتقويم أنفسنا أولاً واغلاق الآباء للثغرات في تربيتهم لأولادهم لينشأ جيل جديد متوازن خصوصاً أن الأطفال يقلدون آباءهم فإذا نشأ الطفل بين أب يتحايل على القانون لكسب بعض المال الإضافي وأم تتسم باللامبالاة فبالتأكيد سينشأ الطفل كنسخة كربونية عنهما وعلى الضفة المقابلة إذا كان الأب فقيراً معدماً لا حول له ولا قوة فسوف تتشكل عند ابنه ردة فعل مجنونة اتجاه التخلص من الفقر والـعــَـدم لينتهي الحال به إلى التحايل على القانون وربما اللجوء إلى السرقة وما شابه لكسب المزيد من المال وتشكيل الثروة وتأكيد نفسه أمام المجتمع، إذاً انتشار الفقر بكافة أشكاله إلى جانب الجهل في الأسرة الواحدة يولدان الفساد وبالتالي سيخرج من كل أسرة شخص مشبع بثقافة الفساد فينشره حيث يكون والخلاصة هنا أن بناء الأسرة ينعكس على حال المؤسسات والهيئات في البلاد ولكن ربما يقول قائل ( خربانة يا أخي شو بدك تصلح لتصلح !!! ) فيكون الجواب ببساطة أن الصين نهضت وقدمت نفسها للعالم كأمة عظمى فما المانع من نهضة سورية علماً أن مساحة بلادي ليست بمساحة الصين فاذا أردنا النهوض بالبلاد نستطيع لأننا مجتمع متفرد يستحق الحياة، وكيف لا ؟ فمنّا الوليد ومنّا الرشيد فـلمَ لا نسود ولم َ لا نشيد؟

خلاصة القول أن الحكومات تتوالى والثغرات لا تزال نفسها فأين تكمن المشكلة ؟ هل تكمن في الحكومات ؟ لا يا صديقي بل أعتقد جازماً أن المشكلات والثغرات بالدرجة الأولى متخفية في حيز من دماغنا فكفانا لعب دور الفريسة والضحية لأن الحكومات ليست بمخلوقات فضائية بل أعضاؤها مجرد بشر قرارتهم تبقى منقوصة لأن الكمال ليس من سمة الانسان، وتذكر أينما زرعك الله أزهر فلكل زمن معوقاته حيث العلماء العرب في زمانهم افتقدوا إلى الكثير ومع ذلك أنتجوا فماذا عنك يا صديقي ؟ إذ أن التعليم لا يقتصر على مقاعد الدراسة في المدارس والجامعات فالزراعة تعليم وانتاج ولولاها لفتك الجوع بالإنسان وأكلت البشر أجساد بعضها، كذلك الصناعة تعليم وابداع والتجارة تعليم وانفتاح والخلاصة أن التعليم يدخل في صميم أركان اقتصاد البلاد !!..

يجدر الإشارة :
مطلع الأول من أيلول / سبتمبر من العالم الحالي توجه ما يقارب 4.400.000 طالب وطالبة من جميع مراحل التعليم إلى مدارسهم والتي بلغ تعدادها 14,600 مدرسة والترتيب الطبيعي للطالب أن يتدرج عبر الصفوف المدرسية ومن ثم ينتقل إلى المرحلة الجامعية ليشق بعدها طريقه في سوق العمل، والسؤال هنا، أنه في كل سنة تحدث عملية تعليمية جديدة مشابهة في عدد الطلاب فما هي المحصلة أو التغذية الراجعة من هذه العملية على اعتبار أن كل طالب عقل مستقل بحد ذاته أي أنه كيف يمكن استثمار قدراته لأجل أمان المستقبل ؟

ماذا بعد الحرب :
يتساءل كثيرون ماذا بعد الحرب ؟ ثمة تبادل للأفكار ووجهات النظر اللافتة منها والخجولة أحياناً، فيأتي أحدهم ليستلهم التاريخ ويستحضر التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية ويـُـنتج من وحي ذلك عشرات الأفكار بالانشطار، أما وزراءٌ آخرون في الحكومة السورية تمحورت تصريحاتهم على جملة “سنجعل من سورية سنغافورا جديدة” والصحيح يـُـقـال إنه من الطبيعي الاستفادة من تجارب المجتمعات الأخرى حول العالم ولكن ليس من الضروري أن نستنسخ من سورية اليابان ثانية بطريقة روبوتية أو أن نجعل منها توأم سنغافورا لأن هذا ضرب من التقليد الأعمى الغير مدروس، فاليابان لها اليابانيون وأبناء لي كوان يو لهم سنغافورا وأوروبا لها أبناؤها في البلاد البريطانية والألمانية والإيطالية والفرنسية امتداداً  إلى كامل مجتمعات القارة المتوسطية العجوز والخلاصة هنا ان سورية لها تكوينها الطبيعي وتاريخها التراكمي وبنيانها الاجتماعي المختلف عن باقي المجتمعات وفي حال أردنا اقتباس تجارب الآخرين فعلينا اعادة صياغة هذه التجارب بما يتناسب وهويتنا السورية،فمن جراء التقليد الأعمى للمجتمعات الأوربية أودى بنا الحال إلى السبع العجاف !!

فماذا عن واقعنا التعليمي ؟

يتبع في الجزء الثاني

 

ملاحظة: الدراسات والتحقيقات والمقالات تخص موقع شعاع نيوز وإدارة الموقع تحتفظ بحقها القانوني في حال تعرض موادها للسرقة دون ذكر المصدر واسم الكاتب وفق أحكام قانون النشر. يمكنكم نقل هذه المواد بشرط ذكر المصدر وذكر اسم كاتبه.


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.