عاجل
أخر الأخبار
النفط والغاز .. نعمة أم نقمة لدول شرقي المتوسط؟
الأربعاء 25 يوليو 2018

وكالة شعاع نيوز/ خاص

 

 

بقلم : م. مصطفى زين العابدين

طالما شكل النفط والغاز إضافة للمياه، أهم صراعات العالم عامة، والشرق الأوسط خاصة، وخاضت القوى الكبرى لأجلها، حروباً شتى تحت شعارات مختلفة كلياً عن جوهر القضية والمصالح المرجوة منها. فماذا عن نفط شرقي المتوسط وغازه؟

شكلت الاكتشافات النفطية والغازية شرقي المتوسط خلال العقد الماضي تحد آخر ومشكلة جديدة لدول هذه المنظومة التي تتحكم فيها عوامل جيوبولتيكية أسست لصراعات مختلفة خلال عقود من الزمن وهو ما ظهر بشكل جلي خلال الربع الأول من العام 2018 ولاسيما بين تركيا وجمهورية قبرص اليونانية من جهة ولبنان وكيان الاحتلال الصهيوني من جهة أخرى.

قامت البحرية التركية باعتراض سفينة التنقيب “ايني” الايطالية وهي تتجه نحو جمهورية قبرص اليونانية لبدء التنقيب فاتحة بذلك أفقاً آخر للصراع بين الجمهورية التركية وقبرص اليونانية ما أثار موجة من ردود الفعل من قبل القبارصة اليونانيين ومجلس الاتحاد الأوربي.

مَنحُ لبنان امتيازات التنقيب لثلاثة شركات أجنبية للتنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية اللبنانية، اعتُبِرَ “تحدٍ سافر وعمل استفزازي” من قبل وزير دفاع كيان الاحتلال الصهيوني في يناير/ كانون الثاني من العام الجاري موضحاً أن قبول الشركات الأجنبية بهذا الأمر هو بمثابة “خطأ فادح”، ما استدعى رداً لبنانياً على الفور.

قد تكون هذه مقدمة بانورامية لحقيقة الصراعات شرقي المتوسط والتنافس بين دولها لاستغلال الثروات الطبيعية لكنها لم تأخذ بالحسبان بعد مصالح القوى الكبرى واحتمالات مستقبل الصراع وتطوره لأبعاد ومناح مختلفة.

أهمية نفط وغاز شرق حوض البحر الأبيض المتوسط:

عام 2010 قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية احتمال وجود مايقارب 122 تريليون متر مكعب من الغاز لم يجري اكتشافها بعد قبالة سواحل سورية ولبنان وفلسطين المحتلة وقبرص، ونحو 107 مليارات برميل من النفط قابلة للاستخراج وكلها تقديرات أولية بالطبع لاتشمل مخزون دلتا النيل، إلا أنها حقيقة لايمكن تجاهلها، فقد جرى اكتشاف العديد من حقول الغاز شرق المتوسط وذلك بعد نجاح “الكونسورتيوم” الذي قادته شركة “نوبل انرجي” الأمريكية في اكتشاف حقل “تمار” عام 2009 قبالة سواحل فلسطين المحتلة لتتوالى الاكتشافات بعدها، ما حذا بدول المنطقة لمنح هذه الاكتشافات الجديدة أهمية خاصة كلفت فيها شركات مسح وتنقيب للتعرف على حصصها من النفط والغاز.

فما أهمية هذه الاكتشافات؟:

1- أهمية جيوبولتيكية خاصة بالمنطقة التي يقع فيها، وهي منطقة الشرق الأوسط التي تشمل 47% من احتياطي النفط و 41% من احتياطي الغاز العالمي، ناهيك عن اطلالتها على البحر المتوسط الذي تشرف عليه ثلاث قارات هي آسيا وأوربا وافريقيا وتشكيلها عقدة لطرق التجارة الدولية عبر مضيق السويس والبوسفور وجبل طارق.

2- أهمية جيوسياسية وجيواقتصادية وجيوأمنية، يحظى بها الغاز في الشرق الأوسط والتي تشكل آمالاً للدول المكتشف على سواحلها، بأن تلعب دوراً هاماً في تغيير المعطيات السياسية والاقتصادية، وربما قد تمنحها ثقلاً في الميزان الدولي يساهم لحد ما في ترجيح كفتها مقابل التوزانات التي أحلتها القوى الكبرى.

3- تزايد التنافس على استغلال ثروات الهيدروكربون وطرق تصديرها والتزاحم على حصص الأسواق الخارجية، كل ذلك يشكل الحافز لدول المنطقة للحصول على مكانتها كلاعب دولي ولاسيما في لعبة مصادر الطاقة.

4- ما تشكله من أهمية ومنافع سياسية واقتصادية وأمنية اعتقد كثيرون أن الغاز والنفط قد يساعدان دول المنطقة في تحقيقها.

وبالتالي، نحن أمام دول تواقة لتبوء مكانتها كلاعب دولي، وشركات نفط وغاز دولية متعطشة لمزيد من الحصص في الأسواق العالمية، ساهمت بلفت أنظار القوى الكبرى إلى منطقة الصراعات الأزلية، بالتزامن مع مشاكل أخرى تضاف لما بسلتها من مشاكل لعل أهمها :

1- عدم جاهزية معظم دول شرقي المتوسط من الناحية القانونية لاستثمار الثروات الطبيعية في شطآنها.
2- مشكلة الحدود وترسيمها التي بقيت معلقة لعقود، وضعتها الاكتشافات النفطية والغازية تحت الضوء مجدداً، لتبدو مسألة غاية في الأهمية ويتحرك كل طرف وفق موازين القوة لديه للحصول عليها.
3- اكتشاف الأسواق وجهات التصدير والأهم هو البنية التحتية المناسبة ناهيك عن وسائل النقل للأسواق الدولية، كل ذلك يفاقم المشكلة ولاسيما أن الطرق باتت غير آمنة مع وجود الشرطي الدولي (الولايات المتحدة بأساطيلها) المراقب عليها.

صراع الغاز كيف ولماذا؟

تلعب العوامل السياسية والاقتصادية والقانونية والأمنية دوراً هاماً في طبيعة الصراع على الغاز وهو ما يفاقم المشكلة ويزيد من قابلية اشتعاله على الشواطئ الملتهبة أصلاً، نتيجة كثرة اللاعبيين الدوليين والاقليميين، إضافة إلى التفاوت في موازين القوى وتعدد ايديولوجيات وغايات أطراف الصراع وأهمها:
– الأتراك والقبارصة وتتسم مشكلتهم ببعدين مختلفين، أولهما يتعلق بالعلاقة ما بين الدولتين وثانيهما بالعلاقة ما بين قبرص التركية التي يعترف فيها الأتراك فقط وبين قبرص اليونانية وهي عضو في الاتحاد الأوربي، وبالتالي تكون اسقاطات الصراع والتناحر قد أخذت أبعاداً مختلفة في ظل النهم الغربي للثروات الطبيعية.

– المشكلة ما بين القبارصة أنفسهم، ففي وقت تعتبر فيه قبرص التركية أن ثروات الجزيرة ملك لجميع مكوناتها ولايحق استغلالها بمعزل عن هذه المكونات، تتجاهل قبرص اليونانية ذلك وتعلن انتهائها من ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لها (EEZ) وذلك بعد تجارب مريرة لها مع الأطماع التركية التحريضية على مدى عقود من الزمن. الأمر الذي دفع بالقبارصة الأتراك أيضاً لصب الزيت على النار وترسيم حدودهم البحرية وتوقيع اتفاقية الجرف القاري عام 2011 مع تركيا تمهيداً لفتح الطريق أمام الأتراك للعبور إلى الجزيرة المتنازع عليها.

– الصراع ما بين لبنان وكيان الاحتلال وهو صراع مختلف ايديولوجياً وعقائدياً ويحمل أبعاداً مؤثرة على الساحة الاقليمية وحتى الدولية، لجهة عدم الاعتراف بشرعية هذا الكيان المحتل مما أدى إلى عدم وجود أي اتفاقية لترسيم الحدود المائية بين فلسطين المحتلة ولبنان، ناهيك عن عدم توقيع هذا الكيان لمعاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، لذلك فهو يعتبر أن له حصصاً ضمن المنطقة الاقتصادية التي رسمها اللبنانيون ويبلغ حجم هذه الحصص نحو 850 كيلو متر مربع وفق ادعاءات الصهاينة، فيما تتلخص المشكلة في المناطق 8و9و10 من مناطق لبنان الخاصة حيث يعتقد بوجود مخزون هائل من الغاز والنفط.

في وقت يرفض فيه لبنانيون تلك الادعاءات ويطالبون نيقوسيا بتعديل اتفاق الترسيم بينها وبين كيان الاحتلال الخاص بالحدود مع قبرص، وذلك لايضاح المنطقة اللبنانية وهو ما ترفضه نيقوسيا بدفع من الاسرائيليين، كما يحاول الاسرائيليون رسم الحدود مع لبنان وفق الشريط الأزرق البري، وهو ما تعتبره بيروت “غير قانوني ولايعول عليه”، لتبقى المشكلة تتدحرج إلى ما لانهاية بين كيان محتل نهمٍ للتوسع، ولبنان الرافض لسرقة حصصه من موارده الطبيعية.

– يضاف إلى تلك المشاكل الجوهرية مشاكل ما بين كيان الاحتلال وقطاع غزة وبين كيان الاحتلال ومصر وبين مصر وجزيرة قبرص سواء اليونانية أم التركية، رغم أنها أقل حدة من سابقاتها، وفي وقت تبدو فيه أمور دمشق أقل تعقيداً رغم عدم توقيعها على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ولاسيما بعد منح الروس امتياز استكشاف واستخراج الغاز من شواطئها، إلا أنه يمكن القول بأنها استوعبت اللعبة الدولية منذ البداية، بعد تمكنها من فهم معادلة الصراع على الطاقة، فاستخدمت أوراق اللعب الأقل تكلفة لخزينتها على المدى القريب والبعيد لجهة زجها بأحد القوى الكبرى كمنافس على شواطئ البحر المتوسط أمام المد الغربي والأمريكي الساعي للهيمنة على مصادر الطاقة.

كيف ستصاغ معادلات القوى إذاً؟

مع ظهور هذه الثروات الهائلة، سيتواجد اللاعبون الدوليون والاقليميون على هذه المساحة الضيقة من العالم لاغتنام حصصهم، وبالتالي لابد من نظرة إلى هؤلاء اللاعبين ولو على عجالة:
– تركيا وتهدف إلى السيطرة على الجزيرة القبرصية وحصتها من الغاز والنفط لتأسس قواعد بعيدة المدى عن حدودها، وبالتالي فإن آمالها بالسيطرة على ثروات جديدة قد يغير من مستقبلها ويعزز اقتصادها المتهالك، نتيجة دعمها اللامحدود للإرهاب في المنطقة ومحاولاتها الفاشلة دخول ساحة الصراع الدولي كلاعب من الكبار رغم رفضها أوربياً وآسيوياً وعربياً.

– مصر باتت هي الأخرى بحاجة لهذه الثروات الجديدة، أكثر من أي وقت مضى، نتيجة اقتصاد مصاب لم يتعافى بعد منذ عقود، وهو ما سيمكنها من ترميم بناها التحتية والتأسيس لاقتصاد قد يغير برامجها السياسة المستقبلية ويعطيها الدافع للحصول على شرعية اقليمية ودولية لاعادتها على رقعة اللاعبين الدوليين بعدما تعالج مشاكلها الداخلية وجلّها اقتصادي.

– سورية حيث تعول دمشق على هذه الثروات لاعادة ما دمره الإرهاب فيها والاتجاه نحو التأسيس لاقتصاد قوي واعادة هيكلة مؤسساتها واقتصادها بشكل يتماشى مع تطلعات التغيير التي أطقلها الرئيس الأسد قبيل الحرب على بلاده، وبالتالي ستشكل هذه الثروات تغييراً في موازين القوة للدولة السورية للعودة بقوة إلى دورها كلاعب اقليمي ودولي.

– الكيان الصهيوني ويمثل العقبة أمام كل دول المنطقة ولاسيما دول حوض المتوسط، فنهم الشركات الاسرائيلية أكبر من أن يعترف بحدود دولية، وبالتالي قد يجرّ وجوداً أمريكياً وغربياً طويل المدى لسواحل المتوسط. كما أن الغاز وفق الحسابات الصهيونية بات رافعة سياسية وأمنية تستخدم كسلاح سياسي فعال لجر المزيد من الدول العربية للتطبيع ولاسيما أنه سيتخلص من عبء دفع تكاليف شراء الغاز من مصر.

أما اللاعبون الدوليون :

– الاتحاد الأوربي، لطالما اعتبر تعزيز أمن الطاقة من أولوياته لغاية تنويع مصادر صادراته ووارداته ولاسيما بعد تدهور علاقاته مع الروس، لذا، سيعزز نفط وغاز دول شرقي المتوسط من هذه الأولويات وتدفعه للبقاء في معادلات الطاقة بقوة.

– الروس، رغم حجم المخزونات الهائلة للغاز الروسي، إلا أن الروس يعلمون أن الغاز المكتشف لن يكون بديلاً عن غازهم، لكن موسكو تريد ضمان بقاء سوق الغاز الأوربي بيدها، لذا ستجدها في أي مشاريع شرقي المتوسط ولاسيما اتفاقياتها مع سورية ولبنان وتمويلها لاكتشاف الغاز في قبرص اليونانية.

– الولايات المتحدة والتي تختلف بالتطلعات عن غيرها، من حيث أمن كيان الاحتلال والمحافظة على طرق تدفق النفط لأوربا، وهي بالتالي ورغم تزايد صادراتها الغازية مؤخراً لأوربا وعدم تعويلها كما السابق على نفط وغاز الشرق الأوسط، كون وكلائها في المنطقة تولوا مهمة ايصاله لها، إلا أنها تحاول السيطرة على الوضع بشكل كلي يحقق تطلعاتها ومصالحها المستقبلية ويضمن الديمومة لكيانها الصهيوني من خلال ما يفرضه تواجدها العسكري في المنطقة.

ماذا عن احتمالات الصراع وتطوره للصدام المباشر؟

بعد كل ما تقدم وقبل الخوض في احتمالات الصراع، لابد من ايلاء الأهمية لتفاوت موازين القوى شرقي المتوسط وهو أحد العوامل التي قد تسهم في تطوره إلى صدام مباشر. فإن أخذنا ميزان القوة بين تركيا وقبرص اليونانية قد نجد أن الأخيرة ترتكز على أربعة عوامل هي دعم اليونان وعضويتها في الاتحاد الأوربي والاتفاقيات مع تل أبيب والقاهرة وبيروت ومنحها رُخص التنقيب لشركات تتبع قوى عظمى، وهو ما يراه دبلوماسيون أنه محاولة لربط ملفها بملفات أكثر تعقيداً لتجنب الصدام المباشر. رغم أن الأتراك يعلمون أن ترسيم الحدود مع مصر والكيان الصهيوني ولبنان إنما يهدف لتحصين القبارصة اليونانيين أمام مطالبهم، لذا فهم يرون هذا التعاون أنه بمثابة تشكيل محور بوجههم.

أما على مستوى الصراع اللبناني الاسرائيلي، فهو صراعٌ متنامٍ يوماً بعد آخر وفق ما تؤكده تقارير ذهبت لأبعد من ذلك، عندما تحدثت عن احتمال اندلاع حرب نتيجة الانتهاكات الصهيونية التي تواجه برد قوي من قبل الدولة اللبنانية وحزب الله وهو ما يزيد الوضع تعقيداً ويدفع الاسرائيلي للتفكير مرتين قبل أن يقدم على حرب أخرى تريق ماء وجهه كحرب تموز.

أما على الجانب السوري واحتمالات التدخل الصهيوني والأمريكي أو حتى الغربي بالثروات السورية، فهو أمر بعيد وفق ما يراه متابعون، وذلك لجهة وجود القوة الروسية والايرانية إلى جانب الدولة السورية، واحتمال انتقال النزاع في حال حصوله إلى مناطق ومعابر مرور النفط والغاز العالمي والتي قد توقف تدفقه إلى الغرب الأوربي والأمريكي، لذا فمن الطبيعي أن تفكر واشنطن وحلفاؤها في أي تجاوزات تخص غاز سورية، رغم توقع التضييق على تصديره للأسواق العالمية، إلا أن الحرب في حال وقوعها قد تكون لأسباب أخرى، تلك التي تعتبرها واشنطن تمس أمن كيانها الصهيوني.

قد يكون اكتشاف النفط والغاز نعمة لشعوب دول شرقي حوض المتوسط لجهة الازدهار الاقتصادي وتحقيق الاعتماد على الذات في تخفيض أو منع الاستيراد، إلا أنه يشكل خطراً جسيماً عليهم في الوقت ذاته، ويجعلهم مطامع لشركات عملاقة لم تعد تكتفي بما لديها، بل تسعى لوضع كل ثروات العالم في مخازينها وفق استراتيجيات تعتمدها لقيادة النظام العالمي الجديد والتأسيس لقواعد لعب جديدة قد تقلب الموازين وتتسبب في المزيد من الصراعات، إلا أنه لابد في نهاية المطاف من وضع النقاط على الحروف والتأسيس لقواعد صلبة تجاري واشنطن وحلفائها في اللعب وهو ما اعتمده السوريون والمصريون والقبارصة اليونانيون حتى اليوم .. فهل لازال النفط والغاز نعمة أم نقمة على هذه الشعوب؟

 


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

  • بحث

  • آخر الأخبار