عاجل
أخر الأخبار
المرأة السورية – أنموذج للتاريخ
الأثنين 13 أغسطس 2018

وكالة شعاع نيوز/ خاص

 

بقلم : علي عمران

السطور الأولى :
قبل سنوات كانت المرأة السورية تمارس حياتها اليومية بشكل طبيعي حيث الموظفات في الدوائر الحكومية وربات البيوت والعاملات بين الزرع وخطوط الانتاج ,إلى أن جاءنا بلاء الحرب ,سبع عجاف ألمت بالبلاد شهدت فيهم المرأة السورية متغيرات أليمة فأمهات أصبحن ثكالى وأخريات فقدن أزواجهن وغيرهن في ربيع العمر تيتمن.
هامش :
القائد العسكري والحاكم للإمبراطورية الفرنسية نابليون بونابرت Napoleon Bonapart قال :
“Recherché de Femme” أي ” فتش عن المرأة ” فهل كان الاقتباس جملة عابرة أم ثمة قناعات وغايات خفية خلف هذه الكلمات ؟ ولو نظرنا بعين التحليل العميق إلى الغاية الخفية من كلماته نرى القائد الفرنسي بعقليته العسكرية كان يستميل المسؤولين وحتى المشبوهين والمتهمين بالنساء للحصول على معلومات وبيانات وخطط متعلقة بخصوم وأعداء بلاده ومن هنا نستنتج أن المرأة في قناعته كانت وسيلة استخباراتية من جهة ومن جهة أخرى نجد أن البونابرت الفرنسي قد ربط المرأة بالتكوين الغريزي للإنسان ,فما مدى صحة هذه الفكرة وأين تكمن الحقيقة يا ترى ؟
المرأة السورية انتاج وعطاء :
من قال أن دور المرأة السورية كان محدودا ً في حرب السبع سنوات, فالأمهات منهن أنجبن قوافل شهداء غدت لأمان البلاد قربانا ً ,علاوة على أن النساء السوريات خلال الحرب أصبحن يعملن في ظل غياب أزواجهن فيجلبن من مجالسة مكنات الخياطة رغيفا ً يحمي أبناءهن من طاعون الجوع الفتاك وعلى الضفة المقابلة يقمن بتربية أطفالهن فينشأ جيلا ً جديدا ً تشرّب معنى الإرادة والعطاء ,معنى الثبات والكفاح ,معنى الحياة ..
أوضاع اجتماعية تحت الضوء :
إن المتغيرات الديموغرافية الناجمة عن حالات التهجير والنزوح في سوريا أدت إلى ظروف معيشية صعبة ألمت بالأسر السوريّة اللاجئة مما دفع وسائل اعلام خارجية للتسويق الممنهج لقضايا من شأنها تفكيك الروابط الأسرية بشكل مباشر كالزواج القسري وحالات الطلاق والعنف ضد المرأة وما شابه إذ أن هذه الحالات حسب تفكيرهم الثاقب ظهرت في سوريا وحدها دونا ً عن العالم أجمع وكأن المجتمعات الأخرى لا يحصل فيها قط مشاكل اجتماعية ,ربما لأن فيها شيء من أفكار المدينة الفاضلة !!
وأتساءل :
⦁ ما هي تداعيات المشكلات الاجتماعية الناجمة عن حالات اللجوء والتهجير داخل سوريا وخارجها ,وما هي غايات الدعاية الاعلامية وتبعاتها على العقل والأسرة في سوريا ؟
⦁ ثم ماذا عن المجتمعات الأخرى كالقاطنة على الضفة الشمالية للبحر المتوسط وشريكتها المنحرفة من سلالة الهنود الحمر ,أولئك الذين ينظرون إلى المرأة كجسد وليس كروح لها كيانها الخاص , أليس لديهم مشكلات اجتماعية ؟

من جهة أخرى يستحضرني أن البشرية شهدت على امتداد الحرب العالمية صراعا ً دوليا ً نتج عنه عدد لا يحصى من المشاكل الاجتماعية المتعلقة بالمدنيين لا سيما النساء وكان لها تداعيات مختلفة زال تأثيرها مع الزمن، إضافة إلى ظهور غوانتنامو وأبو غريب لاحقا ً كأوجه للديمقراطية الأمريكية بحق الانسان في العراق وكذلك الحال في فلسطين، فلماذا الآنف ذكره أصبح طي النسيان عند اندلاع الحرب في بلادي؟، إذ أن حقوق الانسان وصولا ً إلى سائر المنظمات الانسانيّة والهيئات الفكرية مجتمعة أصبحت سليلة غوتاما بوذا والمهاتما غاندي نظرا ً لما أدلت به من أفواج محاضرات في الانسانية ومن وحي ذلك أستحضر الناشطة نعمة العلواني حمامة السلام الساعية إلى نصرة المرأة السوريّة دونا ً عن نساء الأرض فتارة ً تتكلم عن أبعاد العنف ضد المرأة السورية وطورا ً تصور بخيالها الواسع أن المرأة السورية مجرد فريسة تــُـنتهك من الجميع، علما ً أن مقالات السيدة علواني بعيدة كل البعد عن الأدلة الواقعية والتقارير الميدانيّة، إذ أنها تبني قناعاتها على كلمات مجردة وأخبار ملتقطة من هنا وهناك دون أي دليل أو حجة دامغة ومن وحي ذلك أود الإضاءة بلمحة بانوراميه على تاريخ المرأة السوريّة سليلة الآلهة عشتار حيث أن مطلع الحديث يبدأ من زنوبيا درة تدمر وتاجها إذ يشهد التاريخ بمقاومتها الشرسة للإمبراطورية الرومانية حيث احتلت مصر فأسست الامبراطورية الشرقية ونادت بالاستقلال الكامل عن روما، ووصلت حدود امبراطوريتها من البوسفور الى النيل مما اغضب الرومان وقرروا التصدي لها فقامت معارك ضارية بين الطرفين الى أن حاصر الرومان تدمر فجابهتهم بأسلحة فتاكة لا سيما قذائف النفط الملتهبة التي عـُــرفت بالنار الاغريقية ولم تستسلم حيث قررت النضال حتى الموت وفي نهاية المطاف ماتت الملكة زنوبيا ميتة مجيدة ، إذ قررت الانتحار حين وقعت أسيرة بين يدي الإمبراطور أورليانوس على ان تكون أسيرة لأجنبي تموت ميتة الأذلاء الخاضعين ,والشيء ليس بغريب فتاريخ المرأة السورية في المقاومة قديم قـِـدَم سورية وبالتالي لم يكن خروج المرأة السورية في الربع الأول من القرن العشرين إبّان خروج الاحتلال العثماني من سورية ومن ثم تسليمها للانتداب الفرنسي جديداً ،حيث لم تكن جاهلة بقضايا وطنها سوريا وقد كان للمرأة السورية دوراً بارزاً جداً في شحذ الهمم والتصدي ورفض الاحتلال ومقاومته وخير مثال الأديبة والشاعرة المقاومة ماري عجمي خطيبة الشهيد باترو باولي ,لبناني الجنسية ,الذي أعدمه جمال باشا السفاح في بيروت في فاجعة أول قافلةٍ للشهداء في السادس من أيار عام 1916م وهي أول صحفية سورية كان لها أول مجلة نسائية سميت (العروس) في الاسكندرية ثم نقلت نشاطها إلى دمشق وكان لها من المشاعر الوطنية والقومية ما جعل فقدانها لخطيبها دافعا ً لتزيد من نشاطها ضد الاحتلال كما دعت حينها الرجال والنساء الى العلم ونبذ الجهل والوعي القومي والوطني إضافة الى الثأر للشهداء عبر منشورات كانت تطبعها وتوزعها بشكل سري ومن جانب آخر حين يـُـذكر دور المقاومة النسائية السورية لا بد من ذكر المقاومة المناضلة نازك العابد التي خرجت وزميلاتها الدمشقيات ضد الانتداب الفرنسي إذ أسست جمعية نسائية سميت ( نور الفيحاء) و تطوعت مع نساء الجمعية لإسعاف جرحى معركة ميسلون كما أسست مدرسة لبنات الشهداء تحت ذات الاسم(نور الفيحاء) ، وقدمت مع زميلاتها خدمات إنسانية وتربوية واجتماعية متنوعة وبالانتقال إلى الثورة السورية الاولى ضد الفرنسيين التي انطلقت بقيادة المجاهد الشيخ صالح العلي فإننا نذكر زوجته فضة أحمد حسين التي حملت السلاح ورافقته طوال رحلة جهاده فهذه الأسماء مجتمعة صورة عن بعض المقاومات السوريات اللواتي ذاع صيتهن في تلك الفترة ولا مجال لحصر أسمائهن كلهن ، فهؤلاء النسوة قاومن المحتل بكل اشكال المقاومة فحملن السلاح وطبخن الطعام للمقاومين وكن بريدهم وموضع سرهم ووسيلة لتهريب السلاح للمقاومين في الساحل والغوطة وحلب وكل سورية ،،وكنَّ يخرجن بالعشرات في الأحياء للتظاهر وتحدي الاحتلال ومنهن من سقطن شهيدات المقاومة السورية آنذاك ..وهكذا لم تكل ولم تتعب المرأة المقاوِمة السورية الى ان احتفلت إلى جانب أخيها السوري المقاوم بجلاء وزوال الانتداب الفرنسي عن الأرض السورية في السابع عشر من نيسان عام 1945 م.

فيا حضرة الناشطة علواني أتمنى لك الشفاء العاجل من زهايمر اجتاح دماغك مما جعلك تتناسين أصدق صفحات التاريخ كليا ً والأجدر أن توجهي انتباهك ِ إلى المرأة السعودية التي حققت تقدما ً لافتا ً بحصولها على الموافقة من حكومة بلادها الذكية فيما يخص قيادة السيارة في شوارع المملكة ,بالإضافة إلى أحوال النساء في باقي المجتمعات العربية الأخرى .

وقائع :
يارا عباس استـُـشهدت .
يارا صالح أصيبت ولاحقا ً اختــُـطفت وحــُـررت وغيرهن مراسلات ميدانيات قارعن َ جرود الجبال ومد النظر صحار ٍ لنقل تغطية حية عن مجريات الأحداث الدائرة في بلادي خلال مرحلة ٍ ضـُـللت فيها العقول عن بوصلة الحقيقة ,كما لا يقتصر الأمر على العمل الصحفي بل ثمة فتيات في ربيع العمر التحقن بالصفوف الرديفة لفرسان الشام ,حماة الديار, وهنا أستحضر غيضا ً من فيض وقائع أولاها :

الشهيدة مرفت محمد سعيد :
نالت الشهادة الثانوية ثم اتجهت إلى معهد اعداد المدرسين وبعد سنة من العمل تحت مظلته لم تستطع المتابعة بسبب اندلاع المعارك في منطقة حي تشرين حيث هاجم المسلحون الحي الذي تتواجد فيه عائلة مرفت لتبقى محاصرة مع والدتها مدة ثلاثة أيام في منزل العائلة ,ثم عادت لاحقا ً برفقة الاسرة للاستقرار في مسقط رأسها وهناك التحقت بدورة تطويع في الصفوف الرديفة للقوات المسلحة وتشاركت مع اختها عدة مهام في منطقتي القابون وجوبر على أطراف العاصمة دمشق وقبل استشهادها قضت اجازتها الممتدة لعشر أيام بين اسرتها وكانت تقول حينها ” لن أعود بعد هذه الإجازة إلا شهيدة” إلى أن جاء السابع عشر من شباط /فبراير عام 2014م فكانت مرفت على رأس الواصلين إلى جنان الخلد ,أول مقاتلة تستشهد في الجيش العربي السوري ,انتقلت إلى جوار العلي المقتدر وجثمانها بين يدي اختها في منطقة داريا قرب العاصمة.

الشهيدة زينب سامي سليمان :
التحقت بإحدى التشكيلات الرديفة للقوات المسلحة ونفذت مع رفيقاتها عدة مهام على نقاط التمركز آخرها في داريا حيث أصيبت بشظايا قذيفة استقر معظمها في منطقة الوجه ,فسرعان ما نــُـقلت إلى إحدى المستشفيات العسكرية القريبة ودخلت العناية المشددة لمدة 27 يوما ً وبعدها قضت شهيدة بتاريخ الرابع والعشرين من تشرين الثاني /نوفمبر عام 2014م وهي في عمر الواحد والعشرين ربيعا ً,أما والدها فقد توفي في السنة التاسعة والخمسين من عمره إثر نوبة قلبية ألمّت به من شدة حزنه على زينب بينما احتفظ أخاها علي بخصلة من شعرها للذكرى !!

الشهيدة هناء صلاح محمد :
على خطوط التماس كانت تعمل كقناص على إحدى الدبابات المتمركزة هناك وفي وقت سابق تعرضت للحصار في جوبر لمدة يومين فخرجت مع رفاقها في المجموعة عبر أحد الأنفاق ومع مرور الأيام تنقلت هناء بين مناطق عدة إلى أن تم استهداف الحافلة العسكرية التي كانت تستقلها بكمين ارهابي أثناء العودة من إحدى المهام والجدير ذكره أن إصابتها الأخطر كانت في مؤخرة الرأس حيث نــُـقلت مع رفيقاتها إلى العناية المشددة في إحدى المستشفيات العسكرية القريبة إلى أن أقبل عام جديد فقضت شهيدة في إحدى أيام رأس السنة .

الشهيد النقيب إيمان ياسين اليوسف :
نالت الشهاد الثانوية عام 2008 م فانتسبت إلى الكلية العسكرية للبنات وتخرجت عام 2011 م, ومع اندلاع الاحداث الدامية في حمص نالت شرف الشهادة في منطقة الوعر غرب المدينة .

الشهيدة سهام شبل ( ام خليل )
كانت الشهيدة تعمل في ( تجمع لنحيا معا ً ) الخيري والذي يدعم جرحى الجيش كما يقدم الدعم اللوجستي من غذاء وما شابه للمجموعات العسكرية في عدة مناطق برفقة صديقتها المقربة السيدة هيام خضر التي بـُـترت ساقها أثناء الهجوم الذي استهدف الشهيدة سهام حيث تشاركتا أكثر المناطق خطورة كإيصال المؤن إلى مطار أبو الضهور العسكري المحاصر آنذاك بريف ادلب وذلك بمساعدة الحوامات إضافة إلى إحدى المناطق الحدودية الساخنة بريف كسب حيث تم استهداف السيارة التين كانتا بداخلها أثناء العودة فاستشهدت سهام علاوة على استشهاد ضابطين كانا برفقتهما كما بــُـتـرت ساق رفيقتها هيام مع حدوث تفتت في يدها اليسرى ورغم هذا الحدث المؤلم والجلل بقيت السيدة هيام شاهد العيان الأصدق على مواجهة المرأة السوريّة للمعارك الضارية التي شهدتها بلادي.

السيدة ام الفوز – خنساء سورية :
أم لخمسة شهداء ,حيث استشهد أول ثلاثة من أولادها في غضون أشهر قليلة ومن ثم التحق رابع الشهداء بإخوته وقضى لاحقا ً خامس الاخوة شهيدا ً عندما شارك صفوف المجموعات العسكرية التي تصدت لهجوم قام به كل من الجبهة الاسلامية وتنظيم داعش في محاولة لاختراق بلدة تلدرة بريف السلمية في حماه .

السيدة سحر محفوض :
قدمت ابنها الوحيد بشار علي العكش بعد عشرة أيام من خطوبته قربانا ً لأمان البلاد عندما انضم لصفوف القوات الرديفة المتمركزة في منطقة السلمية في حماة.

تعقيب :
لا يسعنا الاحاطة بجميع المقاومات لأن ذلك يحتاج إلى بحور مداد للتوثيق لكن ما ذكر ليس إلا غيض من فيض مقاومات سطرن مع الرجال خير وقائع أثبتت بأن الأرض السورية تنجب على الدوام قدود مقاومة ٍ تنبثق من اولي الأمجاد من جهة ومن جهة أخرى برهان لا يقبل الشك على أن المرأة ليست العنصر الأضعف في الحرب عندما تتسلح بقيم الحق والخير والعطاء .

ماذا تعلمنا :
لأجل البلاد كل يوم للجنان قوافل فماذا تعلمنا من المرأة السوريّة المتمثلة بأمهات الشهداء أولا ً وبنات الشهداء آخرا ً ؟
لقد علمونا في الأزمات أن نستلهم يعقوب الصبر وأيوب الجـَـلـَـد فكل منا من موقعة يجب أن يتمسك بالحياة ضد تتار الزمان أولئك الشياطين المختبئون خلف عباءة الاسلام فكما الجندي مرابط على جبهات القتال وطالب العلم ثابت على منصات التعليم ثبات راسيات أمام العواصف العاتيات كانت المرأة السورية المعلمة والطبيبة والمهندسة والطالبة خلال السبع العجاف قد منحت نسغا ً جديدا ً ساميا ً لمفهوم المرأة النابع من القيم الإنسانية العظيمة ,إذ قارعت مختلف أنماط العمل في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلميّة فقدمت انموذجاً جديدا ً عن جدارة الحياة .

حاشية :
ما بعد الأزمة تبدأ الأزمة ,أي أزمة اعادة بناء الإنسان وإعمار البنى التحتية والعمرانية فما دور المرأة السوريّة في عملية البناء والإزهار للبلاد ؟
باختصار ,للرجال العقل وللنساء العاطفة وبتكامل العقل والعاطفة يتم بناء الانسان وبالتالي إعمار البلاد وضمان أمان المستقبل .


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.