عاجل
أخر الأخبار
الأزمة السورية وأزمة الهوية ..
الأربعاء 20 مارس 2019

شعاع نيوز/ خاص

 

 

 

بقلم: زينب الدبس

لقد تركت الحرب على سورية تمزقات في الهوية وندوباً، يصعب التئامها ، فكانت الهوية أول مستهدف وأول أداة من أدوات الأزمة! وقد تكون آخر مايمكن بناؤه أو إعادة بنائه بعدها !!

كتحدي رئيسي أمام المجتمع والدولة في سورية، فالمجتمع السوري يتكون من بنى ومكونات وتفاعلات وعلائق ومدارك إثنية ودينية وثقافية ولغوية وجهوية متعددة وزاد تعقيدها الأزمة الحالية المتمثلة بالحرب الإرهابية التي أتمت عامها الثامن  بقيادة واشنطن والدول الحليفة لها .

خاصة أن الهويات العرقية والطائفية والدينية والوطنية باتت أدوات ترتكز إليها السياسة الدولية.

لذلك لابد من الخروج بنظريات تساهم بشرح المفهوم الحقيقي للهوية الوطنية من أجل إعادة إعمار سورية المستقبلية.

لذلك لكي نرسم خارطة طريق تعزز هويتنا الوطنية بداية لابد من تعريف الهوية الوطنية بوصفها الخصائص والسمات التي تتميز بها كل أمة ، وتترجم روح الانتماء لدى أبنائها، ولها أهميتها في رفع شأن الأمم وتقدمها وازدهارها، وبدونها تفقد الأمم كل معاني وجودها واستقرارها، بل يستوي وجودها من عدمه، وهناك عناصر للهوية الوطنيّة لا بد من توفرها، وقد يختلف بعضها من أمّة لأخرى.

عناصر الهوية الوطنية :

الموقع الجغرافي، حيث إنّ من يشتركون فيها يضمّهم موقع جغرافي محدد.

التاريخ: وهو التاريخ المشترك الذي يربط من يشتركون في الهوية الوطنية الواحدة، وهو الأحداث التي مرت بآبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم بصفتهم الجماعيّة على هذه الأرض.

الاقتصاد: ويربطهم كذلك رباط اقتصاديّ واحد، ونظام مالي واحد، كنظام العملات الموحد، ونظام التسعيرة الموحد لبعض السلع الاستهلاكيّة.

العلم الواحد: وهو الرمز المعنويّ الذي يجمع كل أبناء الشعب الواحد والقضيّة الواحدة، وهو شيء مادي ملموس، له رسم وشكل محدد بألوان محددة، ولكنه يرمز إلى قيمة معنويّة، وهي الهوية الوطنية والانتماء للوطن.

الحقوق المشتركة: حيث يتمتع أبناء الهوية الوطنية الواحدة بالحقوق ذاتها، كحق التعليم، وحق التعبير عن الرأي، وحق الحياة بكرامة وعزة على أرضهم، وحق الملكية، وحق البناء فوق أرضهم، وحق العمل، وغير ذلك من الحقوق التي تجسد معاني الهويّة الوطنية.

الواجبات: وهي الواجبات الفرديّة، والجماعية، التي يتعين على المجموع الوطني القيام بها، إمّا بصفة الفردية، كالأفراد كل في مجال عمله وتخصصه ونشاطه، وإمّا بصفتهم الجماعية، وذلك مثل ما يتعين على المؤسسات القيام به نحو مواطنيها، وفق آليات محددة، كمؤسسات التربية والتعليم، ومؤسسات الصحة والبيئة، والاقتصاد، والبنى التحتيّة، كسلطة المياه، ووزارة العمل، والدفاع، وسلطة المواصلات، والسلطة الحاكمة بكل مؤسساتها التشريعيّة والتنفيذية

من هنا برزت الحاجة إلى عملية الإنتقال من الهويات الفرعية إلى الهوية الوطنية، وفي سورية لم يتحول بناء الهوية الوطنية السورية، على أهميته، إلى مشروع متكامل على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية، وظلَّت القضايا المتصلة في الهوية الوطنية مغفلة أو متروكة لمشروعات ما دون الهوية الوطنية (الطائفية والمذهبية والعشائرية) أو ما فوق الهوية الوطنية (القومية والأممية والدينية)، رغم ارتباطها الوثيق بالأمن الوطني.

فالهوية ليست تصوراً منتهياً ومكتملاً، بل هي مفهوم مركّب ومتنوع ومتعدد المكونات والعناصر إثنياً ولغوياً وقومياً وإنسانياً، والمشكلة ليست في التنوع في حد ذاته، بل في كيفيات التعاطي معه، أي بتحويله من مشكلة إلى ميزة.
ولا تبنى الهوية على الماضي، رغم حضوره فيها، فالهويات الماضوية، وعلى اختلاف تسمياتها، مغلقة ومتصلبة وتجافي حقيقة أن الهوية صيرورة وتكامل وتجدد مستمر لارتباطها بالحياة.
لقد واجهت الهوية الوطنية السورية، وبدلالة البعد الكاشف للأزمة، جملة تهديدات تسبب القلق على الهوية وفيها، ومن أبرز تلك التهديدات والمخاطر، تهديد الانقسامات  إلى هويات ما قبل وطنية تقوم على أسس الانقسام العرقي أو اللغوي أو المذهبي أو الطائفي، فهذه الانتماءات التقليدية والأولية تنذر بصراعات غير مثمرة تاريخياً، فالهوية الوطنية تتسع لكل السوريين رغم اختلاف انتماءاتهم

ملامح التصدع في الهوية الوطنية السورية

هل كانت ملامح التصدع في الهوية الوطنية السورية نتاجاً للحرب أم سبباً فيها؟

لقد برزت الحرب بأنها نتاج للتصدع وليست سبباً فيه (على الأقل في البدايات)، ذلك بفعل العوامل الإقليمية والدولية، وفشل المشروعات القومية، وانهيار منظومة الدول الاشتراكية، وتنامي التيار الديني كبديل عن الفراغ، وارتباط اسمه بفعل المقاومة، الذي كان مانح الشرعية للدولة الوطنية، ومن ناحية التنوع الثقافي الذي لا ينحصر كهوية في المظاهر، فهو تنوع الأعماق، وتنوع العقلية التي تبدعه بوساطة الجهود الفكرية الخلاقة التي تحدث التغيير من دون أن تفقد الوحدة والانتماء، إن روعة التنوع الثقافي وبراعته، تكمنان في جعل الإنسان في مواجهة نفسه دائماً في أي زمن من الأزمان، وبمواجهة التطور الاجتماعي والسياسي والفني والإداري بصورة عامة. والتعبير الثقافي نمط من أنماط الاتصال يقوم بسد حاجة أساسية للجماعات، وتُعَدُّ بنية التعبير الثقافي عنصراً أساساً في تكيف مختلف الثقافات مع التحولات التي تفرضها المستجدات، تحديداً العولمة، على أن يقوم المبدعون والفاعلون الثقافيون بلعب دور مهم في هذا الصدد عن طريق إيجاد مجال للمواجهة الحاسمة بين القيم الوطنية والقيم الأخرى، وبين القيم والتصرفات في الماضي وما يتوقع في المستقبل، في هذا السبيل، يمكن التأكيد على أن حفظ التنوع الثقافي بالمعنى الواسع لا يمكن أن يتم إلا بحفظ أشكال التعبير الثقافي التي تُعَدُّ عاملاً مهماً في تمكين الأفراد والشعوب من التعبير عن أفكارهم وتشاطرها مع الآخرين عبر الحوار، إضافة لكونه يشكل عاملاً مهماً أيضاً في العملية الديمقراطية، لذا فإن حماية تنوع أشكال التعبير الثقافي أحد التحديات الرئيسة التي نواجهها وتواجهها الشعوب في عصرنا.

لاشك  أن الهوية الوطنية السورية موجودة، وتنامى الوعي بها في تجربة الثورة السورية الكبرى عام 1925 ومقارعة الاستعمار الفرنسي وتبلورت في العقود اللاحقة، لكن تأخَّر إدراكها بسبب افتقادها إلى «إيديولوجيا وطنية» مرافقة لها، وهذا ما نحتاجه الآن على ضوء الأزمة منذ عام 2011، الحاجة إلى صوغ استراتيجية هوياتية تنبثق عنها سياسات مبتكرة تعليمية وإعلامية وثقافية، تغرس مفهوم الهوية الوطنية الواحدة، وليس «الموحدة» التي لا تلغي التنوع ولا تمأسسه، ولا تمحو الاختلافات وفي الوقت نفسه لا تثيرها، تجعل التعدد منظوراً من دون أن يحتل الواجهة، حيث يكون مصدراً لحيويتها وغناها.


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

  • بحث

  • آخر الأخبار